أقول : الظاهر أن مرادهم التحريم مطلقا وسد الباب بالكلية ، وإلا فالحرمة عند قصد اللهو
ليست محل الخلاف بل متفق عليها كما مر ويأتي : يعني لما كان الغالب في هذه الأزمنة قصد اللهو لا
التقوى على الطاعة منعوا من ذلك أصلا . تأمل . قوله : ( وذكر ) أي في كتاب الحدود ونصه : وفي
العمادية حكي عن صدر الاسلام أبي سائر اليسر البزدوي أنه وجد رواية عن أصحابنا جميعا أنه يجب الحد ،
فإن الحد إنما يجب في سار الأنبذة عندهما ، وإن كان حلالا شربه في الابتداء ، لان ما يقع به السكر
حرام ، والسكر سبب الفساد فوجب الحد لينزجروا عن شربه فيرتفع الفساد ، وهذا المعنى موجود في
هذه الأشربة ا ه : أي الأشربة المتخذة من الحبوب المذكورة قبل هذه العبارة .
وحاصله : أنهما حيث حللا الأنبذة وأوجبا الحد بالقدح المسكر منها لزم منه وجوب الحد بالسكر
من باقي الأشربة كما هو قول محمد . قوله : ( إنه مروي ) يوهم أن الضمير راجع لتحريم الأشربة قليلها
وكثيرها ، وليس كذلك بل هو راجع للحد بالسكر منها كما علمت ، ولا يلزم من وجوب الحد بما
يقع به السكر أن يحرم القليل والكثير كما لا يخفى . قوله : ( لمن من مسكر الحب يسكر ) من موصولة
والثانية بيانية ( 1 ) والحب : جنس : أي يسكر من مسكر الحبوب ، وحكم ما كان من غير أصل الخمر
وهو الزبيب والعنب والتمر كذلك ش . قوله : ( وفي طلاق البزازية ) الأولى حذف طلاق ، لان قوله : ( ما
أسكر كثيره فقليله حرام وهو نجس لم يذكره في كتاب الطلاق بل في كتاب الأشربة . قوله : ( وقال
محمد الخ ) أقول : الظاهر أن هذا خاص بالأشربة المائعة دون الجامد كالبنج والأفيون ، فلا يحرم قليلها
بل كثيرها المسكر ، وبه صرح ابن حجر في التحفة وغيره ، وهو مفهوم من كلام أئمتنا لأنهم عدوها
من الأدوية المباحة وإن حرم السكر منها بالاتفاق كما نذكره ، ولم نر أحدا قال بنجاستها ولا بنجاسة
نحو الزعفران مع أن كثيره مسكر ، ولم يحرموا أكل قليله أيضا ، ويدل عليه أنه لا يحد بالسكر منها كما
يأتي ، بخلاف المائعة فإنه يحد ، ويدل عليه أيضا قوله في غرر الأفكار : وهذه الأشربة عند محمد
وموافقيه كخمر بلا تفاوت في الاحكام ، وبهذا يفتى في زماننا ا ه . فخص الخلاف بالأشربة ، وظاهر
قوله بلا تفاوت أن نجاستها غليظة فتنبه ، لكن يستثنى منه الحد فإنه لا يجب إلا بالسكر ، بخلاف
الخمر .
والحاصل : أنه لا يلزم من حرمة الكثير المسكر حرمة قليلة ولا نجاسته مطلقا إلا في المائعات
لمعنى خاص بها . أما الجامدات فلا يحرم منها إلا الكثير المسكر ، ولا يلزم من حرمته نجاسته كالسم
القاتل فإنه حرام مع أنه ظاهر ، هذا ما ظهر لفهمي القاصر ، وسنذكر ما يؤيده ويقويه ويشيده . قوله :
( ولو سكر منها الخ ) ظاهره أنه لا يحد بالقليل منها الذي لا يحصل به الاسكار ، وهو ظاهر قوله
هامش
( 1 ) قوله : ( والثانية بيانية ) لعل الصواب ابتدائية ، لان ضابط من البيانية وهو كون ما بعدها أخص ما قبلها مبين له لا يأتي
هنا كما لا يخفى ا ه .