والرهبانيّة والخلوة من الناس والانفراد عنهم بحسب الظّاهر مطلوبة في الجملة ، أي في بعضالأوقات عند الشرع المبين ، على ما يستفاد من الكتاب والسنّة ، لمن كان مطلوبه هو الحقّ تعالى ؛ وأ مّا كونها مطلوبة بالجملة ، بمعنى أن يكون العبد في جميع حياته أو كثير منها مترهّباً منعزلًا عن الناس . ومنفرداً منهم ، فلا دليل عليه ، بل الدليل كتاباً وسنّةً على خلافه ، هذا .
مضافاً إلى أنّ الانسان موجود اجتماعيّ ، يحتاج في عيشه وحياته إلى المجتمع .
وخلقته المادّية بجميع أدواتها وماتحتاج إليها شاهدة على أنّه لم يخلق للانعزال والانفراد الدائم .
وبهذا البيان الوجيز يظهر أيضاً وجه الجمع بين أدلّة الباب ، حيث تدلّ طائفة منها على الترغيب في الانعزال ، وأخرى على الاجتناب عنه ؛ فإنّ الأدلّة المانعة تمنع عن الانعزال الدائم ، والأدلّة المرغّبة في الانعزال ، في خصوص بعضالأوقات والأحيان ، فتدبّر .
ثمّ لا يخفى أنّ هذه الألفاظ الأربعة ، وإن كان لها وجه مشترك بحسب المعنى ، وهو عدم الخلطة مع الناس ، إلّاأ نّه فرق بين الانفراد من الناس ، والخلوة منهم ، والعزلة عن غير أهل الطاعة ، والرهبانيّة .
فإنّ « الانفراد من الناس » ، هو عدم تبعيّة العبد منهم فيما هُم عليه ، بل إنّما يعمل في كلّ لحظة بما هو تكليفه .
و « الخلوة من الناس » مطلوبة في العبادات لكسب الإخلاص والخشوع وعدم التفرقة فيها .
و « الانعزال » لا يكون إلّاعن أهل الغفلة والمعاصي .
وأ مّا « الرهبانيّة » فهي ترك ما حلّله اللَّه تعالى وأباح ، ولا رهبانيّة في الاسلام بهذا المعنى ، بل المقبول منها هو ما أشرنا إليه من ترك الزيادة عمّا حلّل اللَّه تعالى .
سر الإسراء في شرح حديث المعراج — صفحة 188
مساهمون: الشيخ علي سعادت پرور (پهلوانى تهرانى)
ص١٨٨