تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر الإسراء في شرح حديث المعراج — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
فقال : « يا جابرُ ! إنّه من دخَل قلبَه صافي خالصِ دينِ اللَّهِ ، شغَل قلبَه عمّا سِواه . يا جابُر ! ما الدنيا ؟ وما عسى أن تكونَ الدنيا ؟ هل هي إلّاطعامٌ أكلتَه ، أو ثوبٌ لبِستَه امرأةٌ أصَبتَها يا جابُر ! إنّ المؤمنين لم يَطمئِنّوا إلى الدنيا ببقائهم فيها ، ولم يأمَنوا قُدومَهم الآخرةَ . يا جابُر ! الآخرةُ دارُالقرارِ والدنيا دارُ فناءٍ وزَوالٍ ، لكن أهلُ الدنيا أهلُ غفلةٍ ، وكأنّ المؤمنين هم الفقهاءُ أهلُ فكرةٍ وعبرةٍ ، لم يُصِمَّهم عن ذكراللَّهِ جلّ اسمُه ما سمعوا بآذانهم ، ولم يُعمِهم عن ذكراللَّهِ ما رَأوا من الزينة بأعيُنِهم ، ففازوا بثواب الآخرةِ ، كما فازوا بذلك العلمِ . واعْلَم يا جابرُ ! أنّ أهلَ التقوى أيسرُ أهلِ الدنيا مؤونةً ، وأكثرُهم لك معونةً ، تذكُر فيُعينونَك ، وإنْ نَسيتَ ذكَّروك ، قَوّالونَ بأمراللَّهِ ، قَوّامون على أمراللَّهِ ، قطَعوا محبّتَهم بمحبّة ربِّهم ، ووحَشوا الدنيا لطاعة مليكِهم ، ونظروا إلى اللَّه - عزّوجلّ - وإلى محبّته بقلوبهم ، وعلِموا أنّ ذلك هو المنظورُ إليه ، لعظيم شأنِه ؛ فأنزِل الدنيا كمنزلٍ نزلتَه ، ثمّ ارتحَلتَ عنه ، أو كمالٍ وجدتَه في منامك فاستيقَظتَ وليس معك منه شىءٌ إنّي إنّما ضرَبتُ لك هذا مثلًا ، لأنّها عند أهلِ اللُّبِّ والعلمِ باللَّه ، كفَيْءِ الظّلال . يا جابُر ! فاحفَظ ما استَرعاك اللَّهُ - جل‌ّوعزّ - من دينه وحكمتِه ، ولا تسألَنَّ عمّا لك عنده إلّاما له عند نفسِك ، فإن تكن الدنيا على غير ما وصَفتُ لك ، فتحوَّلْ إلى دار المُستعتَبِ . فَلَعمري ، لَرُبَّ حريصٍ على أمرٍ قد شقِي به حين أتاه ، ولَرُبَّ كارهٍ لأمرٍ قد سعِد به حين أتاه ؛ وذلك قولُ اللَّه - عزّوجلّ - :
وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ
« 1 » . » « 2 » 2980 . في دعاء عليٍّ - عليه‌السّلام - بعد الركعتين الأوّلتين من صلاة اللّيلِ : « إلهي ! كلُّ من أتيتُه إليك يُرشدني ، وما من أحدٍ إلّاعليك يدلُّني ، ولا مخلوقٍ أرغَبُ إليه إلّا وفيك يَرغِّبُني ، فنِعْم الربُّ وجَدتُك ! وبِئسَ العبدُ وجَدتَني ! » « 3 »
هامش
( 1 ) آل عمران : 141 . ( 2 ) الكافي ، ج 2 ، ص 132 ، الرواية 16 . ( 3 ) بحارالأنوار ، ج 84 ، ص 246 ، الرواية 56 .