بيان
إنّ اللَّه سبحانه في مقام بيان صفات الزاهدين وذكر جملة من خصائصهم ، لم يكتف بما وصفهم بها قبل هذه الفقرة من الصفات ، بل أضاف ذيلها هذه الفقرة ، يعنى قوله - عزّوجلّ - : « قد أعطوا المجهود من أنفسهم الخ » ، حتّى لايتوهّم متوهّم أنّ كلّ من كان متصّفاً بهذه الصفات يكون زاهداً بأعلى درجة الزهد ، بل يكشف بها أنّ لتماميّة إخلاص العمل وصلوحيّته دخلًا تامّاً في تحقّق الزهد الحقيقىّ ، وأنّ تحقّق أعلى مرتبة الزهد إنّما يكون بهذا الاخلاص فحسب ، أي لامن خوف نار ولامن شوقالجنّة ، ولكن ينظرون في ملكوت السماوات والأرض ، كما ينظرون إلى من فوقها ، فيعلمون أنّ اللَّه سبحانه أهل للعبادة . وما ذكره سبحانه في هذه الفقرة الأخيرة هو أعلى درجة الايمان . ويشهد على ذلك ، كلامه - عزّوجلّ - الآتي ذكره « 1 » : « يا أحْمَدُ ! هذِهِ دَرَجَةُ الأَنْبِيآءِ وَالصِّدّيقينَ مِنْ امَّتِكَ وَامَّةِ غَيْرِكَ وَأَقْوامٍ مِنَ الشُّهَدآءِ . » « 2 » في جواب سؤال النبىّ - صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم - : « هَلْ يُعْطى في امَّتي مِثْلُ هَذا ؟ » « 3 » وغرضنا من ذكر هذه الآيات والروايات ذيل الجملات الأخيرة ، تفسيرها وتبيين معناها بها أوّلًا ، ثمّ توجيه القارئ العزيز والسائر القاصد لسبيل الفطرة والسالك في صراط العبوديّة ، إلى عظم شأن المجاهدة وخطرها في اصلاح الأعمال وإخلاصها حتّى من الشرك الخفىّ ، بأن لا يريد السالك من أعمالها إلّااللَّه تعالى . ولمثل هذا فليعمل العاملون . واللَّه هو الهادي وهو الموفّق .
ولمّا ذكر في هذه الفقرة من الحديث لفظ « الملكوت » ، نقدّم كلاماً حول معناه :
هامش
( 1 ) الفصل الثامن العشر .
( 2 ) الفقرة 120 .
( 3 ) الفقرة 120 .