فقال له الحسين : " صدقت يا أخا بني أسد ، إن الله تبارك وتعالى يفعل ما يشاء
ويحكم ما يريد " .
فقال له الأسدي : يا ابن رسول الله ، أخبرني عن قول الله تعالى : * ( يوم ندعو كل أناس
بإمامهم ) * ؟
فقال له الحسين ( عليه السلام ) : " نعم يا أخا بني أسد ، هما إمامان ، إمام هدى ، دعا إلى هدى ،
وإمام ضلالة ، دعا إلى ضلالة ، فهذا ومن أجابه إلى الهدى في الجنة ، وهذا ومن أجابه
إلى الضلالة في النار " .
فلم يظهر من الإمام ( عليه السلام ) إلا الإصرار على التقدم شطر العراق ، مما يدل على أن هدفه هو
الشهادة الأخلاقية الفريدة من نوعها والتي سوف يقيمها على مساحة من الأرض قليلة
وفي صحراء نائية عن العمران بعيدة عن حركة الناس ، هي صحراء كربلاء ، ولكنها
ستكون بمنزلة الكتاب الذي يقلب حياة الأمم من حالة بهيمية ميتة إلى أخلاقية حية . وكتب
الإمام الحسين ( عليه السلام ) كتاب الجهاد والشهادة على أرض كربلاء واحتوى على فصول
وأبواب ، كل فصل منه وكل باب كذلك عالم مضئ من الأخلاق وقيم الشهادة النبيلة . . .
وتدفقت معاني هذا الكتاب خطبا على ألسن الخطباء ، وأدبا على ألسن الشعراء ، ودمعا
من عيون أهل الولاء ، وفي كل موجة من هذا العالم الزاخر بالمعاني حركة دفع للأمة نحو
الأفضل ( 1 ) .
أجل فالهدف الحقيقي لثورة الحسين ( عليه السلام ) هو إقامة دولة الأخلاق في الجماعات
الإسلامية ، تلك الأخلاق التي كانت قبل الإسلام بين الإفراط والتفريط فأقام لها النبي ( صلى الله عليه وآله )
الصيغة الصحيحة وجعلها وسطا ، وبني الأمة الإسلامية على أساسها ورفع ضراح
حضارتها انطلاقا من هذه القواعد الأخلاقية ، ولكن الأمة جهلت هذا كله ، حين آثرت
جماعة منها الذين لم ينق الإسلام ذواتهم من جاهلياتهم القديمة ، فقدمتهم على القادة
الحقيقيين فأسؤوا السيرة وخالفوا الشرع وتنكروا للمثل وردوا الكثير من قيم الأدب
الإسلامي واتبعتهم الأمة اتباع الفصيل إثر أمه تقليدا للحاكم واقتفاء لأثره ، وحينئذ
استحالت الشخصية الإسلامية إلى كائن غريب وحشي على الإسلام هو أدنى إلى البهائم
الراتعة منه إلى الإنسان السوي .
هامش
1 - المصدر المذكور في المتن .