هكذا . . - فلم تتمكن الآلاف من جنود الضلالة أن يركعوا الحسين لغير الله ، إنك تجد
روح الإباء والفداء والايمان كيف تصنع القوة والشجاعة في الرجل ، ولم يكن لحثالات
الشياطين وجنود إبليس طريقا لإيقاف الحسين ( عليه السلام ) - حتى غدروا به بالحجارة والسهام
من بعيد ، وبالفعل لم يكن لعدوه الحقير سبيلا للقضاء عليه إلا الغدر والتوسل بالأساليب
الجبانة ، كما لم يكن للحسين في الرد عليهم إلا الصبر والتسليم لأمر الله ، فصبر وصابر بما
لديه من مخزون التوكل على الله والرضا بما يشاء الحبيب :
إلى أن أتاه السهم من كف كافر * ألا خاب باريها وضل المصوب
فخر على وجه التراب لوجهه * كما خر من رأس الشناخيب أخشب
يقول الشيخ عباس القمي ( رحمه الله ) : في الشجاعة والصبر الحسين ( عليه السلام ) يضرب بها المثل ،
وصبره في مواقف الحرب أعجز الأواخر والأول ، ومقامه في مقاتلة هؤلاء الفجرة عادل
مقام جده ( صلى الله عليه وآله ) ببدر فاعتدل ، وصبره على كثرة أعدائه وقلة أنصاره صبر أبيه في صفين
والجمل ، وناهيك في هذا المقام ما في الزيارة الواردة عن الناحية المقدسة - الإمام الحجة -
( على صاحبها آلاف السلام ) :
" وبدؤك بالحرب فثبت للطعن والضرب ، وطعنت جنود الفجار ، واقتحمت
قسطل ( 1 ) الغبار ، مجالدا بذي الفقار ، كأنك علي المختار ، فلما رأوك ثابت الجأش ،
غير خائف ولا خاش نصبوا لك غوائل مكرهم ، وقاتلوك بكيدهم وشرهم ، وأمر اللعين
جنوده فمنعوك الماء ووردوه ، وناجزوك القتال ، وعاجلوك النزال ، ورشقوك بالسهام
والنبال ، وبسطوا إليك أكف الاصطلام ( 2 ) ولم يرعوا لك ذماما ، ولا راقبوا فيك آثاما ،
في قتلهم أوليائك ، ونهبهم رحالك ، وأنت مقدم في الهبوات ( 3 ) ومحتمل للأذيات ،
قد عجبت من صبرك ملائكة السماوات ، فأحدقوا بك من كل الجهات ، وأثخنوك
بالجراح ، وحالوا بينك وبين الرواح ، ولم يبق لك ناصر وأنت محتسب صابر ، تذب
عن نسوتك وأولادك ، حتى نكسوك عن جوادك ، فهويت إلى الأرض جريحا ، تطؤك
الخيول بحوافرها ، وتعلوك الطغاة ببواترها ( 4 ) ، قد رشح للموت جبينك ، واختلفت
هامش
1 - الغبار الذي يرتفع حين احتدام المعركة .
2 - أي الأيدي التي تقصد قطع الجذور .
3 - الغبار الشديد المرتفع في الجو .
4 - السيوف القاطعة البتارة .