E / في الاستماع إلى الرأي الآخر
لقد علمنا الحسين ( عليه السلام ) في أخلاقياته الرسالية أن الإنسان مهما كان مقتنعا بأفكاره
وقراراته ينبغي له أن لا يسد نافذته على الآخرين ليدلوا بآرائهم له ، لأن الاستماع إلى الرأي
الآخر قيمة مستقلة بذاتها ، والحسين بكل كيانه الرشيد نهضة لإحياء القيم الفاضلة كلها .
من هذه الزاوية فقد روى المؤرخون أن الإمام الحسين ( عليه السلام ) لما سار إلى مكة استقبله
عبد الله بن مطيع العدوي - فقال : أين تريد أبا عبد الله جعلني الله فداك ؟ !
قال : " أما في وقتي هذا أريد مكة ، فإذا صرت إليها استخرت الله تعالى في أمري بعد
ذلك " .
فقال له عبد الله بن مطيع : خار الله لك يا ابن بنت رسول الله فيما قد عزمت عليه ، غير أني
أشير عليك بمشورة فاقبلها مني .
فقال له الحسين ( عليه السلام ) : " وما هي يا ابن مطيع " ؟
قال : إذا أتيت مكة فاحذر أن يغرك أهل الكوفة ، فيها قتل أبوك وأخوك بطعنة طعنوه
كادت أن تأتي على نفسه ، فالزم الحرم ، فأنت سيد العرب في دهرك هذا ، فوالله لئن
هلكت ليهلكن أهل بيتك بهلاكك ، والسلام .
فودعه الحسين ( عليه السلام ) ودعا له بخير . ( 1 )
وروى الدينوري : أن الإمام ( عليه السلام ) قال لابن مطيع : " يقضي الله ما أحب " . ( 2 )
وروى عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي : لما قدمت كتب أهل
العراق إلى الحسين ( عليه السلام ) تهيأ للمسير إلى العراق ، أتيته فدخلت عليه وهو بمكة ، فحمدت
الله وأثنيت عليه ثم قلت : أما بعد ، فاني أتيتك يا ابن عم لحاجة أريد ذكرها لك نصيحة ، فإن
كنت ترى أنك تستنصحني ، وإلا كففت عما أريد أن أقول .
فقال الحسين ( عليه السلام ) : " قل فوالله ما أظنك بسئ الرأي ، ولا هو للقبيح من الامر والفعل " .
قلت له : إنه قد بلغني أنك تريد المسير إلى العراق وإني مشفق عليك من مسيرك ، إنك
تأتي بلدا فيه عماله وأمراؤه ومعهم بيوت الأموال ، وإنما الناس عبيد لهذا الدرهم والدينار ،
هامش
1 - الفتوح 5 : 25 ، مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي 1 : 189 وأنساب الأشراف 3 : 155 .
2 - الأخبار الطوال : 229 .