شرح
الحدود على الدرء بالشبهة ، وقد مرّ غير مرّة أنّ المراد بالشبهة في هذه الأبواب ليس ما لا يبلغ حدّ الحجّية فإنّه غير معتبر في جميع الأبواب ، ولا يختصّ بالحدود ، مع أنّ ظاهر الروايات الواردة في هذا الباب وفتاوى الأصحاب أنّ للحدود خصوصية من هذه الناحية ، فالمراد منه هو عدم الاعتناء بشأن الأدلّة التي بلغت أدنى مراتب الحجّية فهي مقبولة في سائر الأبواب غير مقبولة هنا ، لأنّه باب الدماء وما يقرب منها .
نعم ، إذا كان لكلامه ظهور قويّ تامّ وادّعى خلافه من دون إقامة قرينة عليه لا يقبل قوله فإنّه ليس من الشبهة قطعاً .
أمّا الغضب فله قسمان : قسم لا يملك معه نفسه فيخرج عن الحال المعتاد المختار ، فلا خبرة له بما يفعل وما يقول فيدخل تحت عنوان عدم الاختيار ، بل وعدم القصد أحياناً ، والعلّة في ذلك أنّ الغضب نار تستر العقل والاختيار وتغلب قلب الإنسان وأعضائه فيكون الغاضب في هذا الحال كالمجنون أو السكران ، وقد يحرق نفسه أو داره وبيته وأمواله من دون شعور فإذا كان الغضب من هذا القسم دخل تحت عنوان عدم الاختيار بل وعدم القصد أحياناً .
وإليه يشير ما ورد في بعض الروايات عن علي بن عطيّة عن أبي عبد الله ( ع ) قال : كنت عنده وسأله رجل عن رجل يجيء منه الشيء على جهة غضب ، يؤاخذه الله به ؟ فقال : « الله أكرم من أن يستغلق عبده » وفي نسخة « يستقلق عبده » « 1 » .
وجملة « يستغلق » بالغين المعجمة من باب الاستغلاق بمعنى الإجبار ، قال في « القاموس » : « استغلمني في بيعه : لم يجعل لي خياراً في ردّه » .
هامش
( 1 ) . وسائل الشيعة 218 : 28 ، كتاب الحدود والتعزيرات ، أبواب حدّ القذف ، الباب 28 ، الحديث 1 .