حدّثني جحظة قال : حدّثني أبو حشيشة : قال :
وجّه إليّ إسحاق بن إبراهيم الطاهريّ ، فصرت إليه وهو في داره التي على طرف الخندق ، فدعا بجونة [ 1 ] ، فأكل وأكلت من ناحية ، ودعا بستارة وقال : تغنّ بصنعتك :
عاد الهوى بالكأس بردا
فأطع إمارة من تبدّى
وهو خفيف رمل مطلق .
فغنّيته مرارا ، ثم ضرب السّتارة ، وقال : فولوه ، فقالته جارية فأحسنت غاية الإحسان ، فضحك ثم قال : كيف تراه ؟ فقلت : قد واللَّه بغّضوه إليّ ، فازداد في الضحك ، وأنا أرمق جبّة خزّ خضراء كانت عليه ، فقال : كم ترمق [ 2 ] هذه الجبّة ؟ يا غلام ، كانت عشرة أثواب خزّ فقطعت منها هذه الجبّة ، فهات التسعة فجيء بها ، فدفعها إليّ فكنت أبيع رذالها [ 3 ] بستين دينارا .
/ حدّثني جحظة قال :
حدّثني أبو حشيشة أن بني الجنيد الإسكافيّين كانوا أوّل من اصطنعه ، وأنهم كانوا يسمونه الظَّريف ، وأن أول منزل ابتاعه من أموالهم إلى أن شاع خبره ، وتفاقم أمره . قال : وكانوا آكل الناس ، رأيت رجلا منهم ، وقد أكل هو وابن عم له اثنين وعشرين رأسا كبارا ، وشربا ، فسكرا وناما ، ثم انتبها في وقت الظَّهر ، فدعوا بالطعام ، فعادا إلى الأكل ، ما أنكر منهما شيئا .
المأمون أول خليفة سمعه :
ونسخت من كتاب ألَّفه أبو حشيشة ، وجمع فيه أخباره مع من عاشره ، وخدم من الخلفاء ، وهو كتاب مشهور ، قال :
أول من سمعني من الخلفاء المأمون ، وهو بدمشق ، وصفني له مخارق ، فأمر بأشخاصي إليه ، وأمر لي بخمسين [ 4 ] ألف درهم أتجهّز بها ، فلما وصلت إليه أدناني ، وأعجب بي ، وقال للمعتصم : هذا ابن من خدمك وخدم آبائك وأجدادك يا أبا إسحاق ، جدّ هذا أمية كاتب جدّك المهديّ على كتابة السرّ وبيت المال والخاتم ، وحجّ المهديّ أربع حجج كان جدّ هذا زميله فيها . واشتهى المأمون من غنائي :
صوت
يضرب لغنائه بشعر فيه ذكر الشيب :
كان ينهى فنهى حين انتهى
وانجلت عنه غيابات الصّبا
خلع اللهو وأضحى مسبلا
للنّهى فضل قميص وردا
هامش
[ 1 ] جونة : سلة صغيرة .
[ 2 ] ترمن : تلحظها لحظا خفيفا .
[ 3 ] الرذال : الدون الخسيس من كل شيء .
[ 4 ] ف : « خمسة آلاف » .