كلام ، قال : فحسده محمد بن عبد الملك ، وقال له : من أين لك هذا العلم يا أبا محمد ؟ قال : إني كنت أستصحب من أهل كل صنعة رؤساء أهلها ، وأتعلم منهم ، ثم لا أرضى إلا ببلوغ الغاية ، فقال له محمد - وكان حسودا : ومتى كان ذلك ؟ قال : في زمان قلت فيّ :
فأين لا أين وأنّى مثلكم
أنتم الأملاك والناس خول [ 1 ]
فخجل محمد بن عبد الملك ، وأطرق ، وعدل عن الجواب .
عسى أمور بعد ذلك تكون :
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان ، قال : حدّثني حمّاد بن إسحاق قال : حدّثني ميمون بن هارون بن خلف قال :
/ كنت أسير بالقرب من محمد بن عبد الملك الزيات ، وهو يريد يومئذ منزله ، حتى مرّ بدار إبراهيم بن رباح ، فرأى فيها قبة مشيدة ، فقال :
أما القباب فقد أراها شيّدت
وعسى أمور بعد ذاك تكون
عبد عرت منه خلائق جهله
إذ راح وهو من الثّراء سمين [ 2 ]
فما كان إلا أيّام حتى أوقع به .
ابن أبي دواد يكيد له :
أخبرني عمي قال : حدّثني الحسن بن عليّ بن عبد الأعلى عن أبيه ، قال :
كان الواثق قد أصلح بين محمد بن عبد الملك الزيات وبين أحمد بن أبي دواد ، فكفّ محمد عن ذكره ، وجعل ابن أبي دواد يخلو بالواثق ، ويغريه به ، حتى قبض عليه ، وكان فيما بلغه عنه أنه قد عزم على الفتك به والتدبير عليه . فقبض الواثق عليه ، ثم أطلقه بعد مدة ، ثم وزر للمتوكل ، وكان محمد بن عبد الملك أشار بابن الواثق ، وأشار ابن أبي دواد بالمتوكل ، وقام وقعد في أمره حتى ولَّى ، وعمّمه بيده ، وألبسه البردة ، وقبّل بين عينيه ، وكان المتوكَّل قبل ذلك يدخل على محمد بن عبد الملك في حياة الواثق يشكو إليه جفاءه له فيتجهّمه محمد ، ويغلظ له الردّ ، إلى أن قال يوما بحضرته : ألا تعجبون إلى هذا العاصي ، يعادي أمير المؤمنين ، ثم يسألني أن أصلح له قلبه ! اذهب ، ويلك فأصلح نفسك له ، حتى يصلح لك قلبه . فكان موقع ذلك يحسن عند الواثق ، فدخل إليه يوما ، وقد كان قال للواثق : إن جعفرا يدخل إليّ وله شعر قفا وطرّة مثل النساء ، فقد فضحك فأمره بأن يحلقهما ، ويضرب بشعرهما وجهه ، فلما دخل إليه المتوكل فعل ذلك به ، وتجهّمه بالقبيح ، فلما ولي الخلافة خشي إن نكبه عاجلا أن يستتر أسبابه [ 3 ] فتفوته بغيته فيه ، فاستوزره وخلع عليه ، وجعل ابن أبي دواد يغريه به ويجد عنده لذلك موقعا / واستماعا ، حتى قبض عليه وقتله ، فلم يجد له من أملاكه كلَّها من عين وورق وأثاث وضيعة إلَّا ما كانت
هامش
[ 1 ] ارجع إلى ما كتبه من هذا البيت في التعليقة السابقة .
[ 2 ] في هج : « نزت » بدل « عرت » .
[ 3 ] هكذا في النسخ التي بين أيدينا . ونرجح أن ثمة تحريفا ، ولعل العبارة : « خشي إن نكبه عاجلا أن يستثير أحبابه » .