من كلامهما شيئا ، ثم جعل الكلب الداخل عليه يخبره عن طريقه بطول سفره ، وقال له : هل عندك شيء تطعمنيه ؟
قال : نعم ، قد بقي لهم في موضع كذا وكذا طعام ، وليس عليه شيء [ 1 ] ، فذهبا إليه ، فكأني أسمع ولوغهما في الإناء حتى أكلا ما كان هناك فيه ، ثم سأله نبيذا ، فقال : نعم ، لهم نبيذ في إناء آخر ليس له غطاء ، فذهبا إليه فشربا .
الكلاب تتغنى بشعره
: ثم قال له : هل تطربني بشيء ؟ قال : إي وعيشك ، صوت كان أبو يزيد يغنيه ، فيجيده ، ثم غناه في شعر عبيد بن الأبرص .
صوت
طاف الخيال علينا ليلة الوادي
لآل أسماء لم يلمم لميعاد
أنّى اهتديت لركب طال سيرهم
في سبسب بين دكداك وأعقاد [ 2 ]
قال : فلم يزل يغنيه هذا الصوت ، ويشربان مليّا ، حتى فني ذلك النبيذ ، ثم خرج الكلب الداخل ، فخفت واللَّه على نفسي أن أذكر ذلك لصاحب المنزل ، فأمسكت ، وما أذكر أني سمعت أحسن من ذلك الغناء .
ومما يغنى فيه من شعره قوله :
صوت
لمن جمال قبيل الصّبح مزمومه
ميمّمات بلادا غير معلومه
فيهنّ هند وقد هام الفؤاد بها
بيضاء آنسة بالحسن موسومه
/ الغناء لابن سريج رمل عن يونس والهشاميّ وحبش .
ومنها [ 3 ] قوله :
صوت
درّ درّ الشباب والشعر الأس
ود والضّامرات تحت الرّحال
فالخناذيذ كالقداح من الشّو
حط يحملن شكَّة الأبطال [ 4 ]
ليس رسم على الدّفين ببال
فلوي ذروة فجنبني أثال [ 5 ]
هامش
[ 1 ] يريد أن هذا الطعام ليس في حرز .
[ 2 ] تقدم هذان البيتان ، نقول : ويبدو أن عبيد بن الأبرص كان رجل الخوارق ، فقد رأينا فمه يحشى بالشعر ، فيلهم الشعر وهو نائم ، ورأينا الأفاعي تنشده الأشعار ثم ها هو ذا تتغنى بشعره الكلاب .
[ 3 ] ومنها : من الأغاني التي غنى بها من شعره ، وليس المراد أن ما يأتي تتمة الأبيات السابقة .
[ 4 ] الخناذيذ : جمع خنذيذ : الشجاع البهمة من الفرسان ، الشوخط : شجر صلب الألياف تتخذ منه القسي والقداح ، أو هو ضرب من النبع ، الشكة : ما يلبس أو يحمل من السلاح .
[ 5 ] أثال : اسم جبل ، والبيت لا يخلو من التواء ، والذي نراه أنه يريد أن يقول : إن منازل الأحياء تبلى ، ولكن رسوم الموتى باقية ، فلدى ذروة من الذرا ، أو في جانب جبل أثال يكون دفني ودفن سواي ، وهذه الأماكن لا يعفى عليها الزمن .