ذلك لأن الحياة الأرضية هي حياة الخلائق ، حيث يخلف بعضهم بعضا : « وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ » ( 6 : 165 ) و « خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ » ( 35 : 39 ) وليس يعني أنهم خلفاء اللّه نفسه في الأرض ، إذ لا خليفة يخلفه في سماء أو أرض ، وإنما هم خلائق خلائف يخلف بعضهم بعضا في الحياة الأرضية ، كل خلف لآخر خلفا وغير خلف .
« وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا » باستئصالهم عن بكرتهم ب « الرِّيحَ الْعَقِيمَ . ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ » ( 51 : 42 ) ( بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ . سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ . فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ » ( 69 :
8 ) .
وهنا « نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا » كما وفي الأخرى « نَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ » .
وهنا مواصفة « عذاب » ب « غليظ » استعارة بالغة الحسن ، حيث العذاب لا يوصف بالغليظ لأنه الألم الذي يلحق الحي في قلبه أو جسمه ، وإنما وصفه تعالى هنا بالغلظ إذ يوصف الأمر الهيّن بالضئولة والدقة كما يوصف الأمر الشاق بالغلظ والشدة ، حملا لذلك على عرف المراعاة للشيء الغليظ الكثيف ، وقلة الحفل بالشيء الدقيق الضئيل ، وكما يقال :
عرض فلان دقيق وقدره ضئيل .
ووجه آخر أن يعنى بعذاب غليظ هنا عذاب الآخرة حيث يقع بالآلات المستعظمة والأعيان المستفظعة ، كمقامع الحديد والحجارة المحمّاة ، ومما يؤيد أنه عذاب الآخرة ذكر « وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ » بعد « نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا » .
« وتلك » البعيدون البعيدون « عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ » آفاقية وأنفسية وعموا عنها وصموا « وَعَصَوْا رُسُلَهُ » مهما عاشوا رسولا واحدا ، فإن عصيان رسول واحد بيّن الرسالة هو عصيان للرسالات كلها فقد :
« كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَ لاتَتَّقُونَ » ( 26 : 124 )
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 437
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٤٣٧