كِراماً كاتِبِينَ » ( 82 : 10 ) .
أجل « ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها » فليست تستقل أية دابة عن أخذ اللّه ، وهؤلاء الغلاظ الشداد من قومه ، إن هم إلّا دوابا من هذه الدواب التي هو آخذ بناصيتها ويقهرها بقوته ، فما خوفي من هذه الدواب ، وما احتفالي بها وهي لا تتسلط عليّ - إن كانت لها سلطة - إلّا بإذن ربي .
وهذه الحقيقة التي يجدها صاحب الدعوة الربانية في نفسه النفيسة لا تدع في قلبه أية مجالة للشك والارتياب في عاقبة أمره الناجحة مهما كانت إمرا ، إذ لا تخرج على أية حال عن أمر اللّه ، إذاً :
« فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاتَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ » ( 57 ) .
« فَإِنْ تَوَلَّوْا » أنتم أولاء الأنكاد البعاد « ف » قل « قد أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ » فمالي غيره ولا لكم سواء ، من حجة بالغة تبلغ العقول غير المدخولة وقد أديت واجبي ، ثم لا أتحسر من تكذيبكم وتعذيبكم « وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي » مكانكم بعد ما أخذكم بعذابه الموعود « قَوْماً غَيْرَكُمْ » « وَلاتَضُرُّونَهُ » في كفركم إن بقيتم ، ولا في منعتكم من عذابه إن حاولتم ولا نقضا لملكه على أية حال « شَيْئاً » فإن له الأمر كله وما أنتم بمعجزين ربي ولا إياي « إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ » بعلمه وقدرته وحكمته البالغة .
« حفيظ » يحفظ دينه وأولياءه وسننه من الضياع ، و « حفيظ » عليكم فلا تفلتون عن أخذته ولا تعجزونه هربا .
وهنا « يستخلف ربي قوما غيركم » تحديد لخلافتهم أنفسهم عمن قبلهم بتهديد ، « اذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » ( 7 : 69 ) نبهة لهم في هذه الرسالة ، ثم « يستخلف » تهديد بخلافة أخرى بعدهم حين يستأصلون عن بكرتهم .
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 436
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٤٣٦