ميزان رباني في كل شيءٍ
« وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ » « 1 » .
إن رفع السماء يوحي بأنها كانت سماءً من ذي قبل ثم رفعت ، وتَرى أنها كانت سماء خافضة فرفعت والسماء هي جهة العلو ؟ فكيف كانت سماءً إذاً ؟ ثم ترى إلى أين رفعت ؟
وعلى مَ ؟ وبمَ ؟ .
السماء هذه - قبل رفعها - هي الدخان الغاز ، حصيلة تفجرة المادة الأم : « ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين . فقضاهن سبع سماوات . . » « 2 » وكان الغاز هذا في المادة الأم ففتقها اللَّه فانفتقت أرضاً هي زبدُ الأرض الأم :
مادة الأرضين السبع ، وانفتقت غازاً هي السماء الأم : « أو لم يرَ الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما . . » « 3 » فالمادة الأم هي المفتوقة ، ثم السماء الأم وأرضها هما المفتوقتان عن الأم ، ثم وللسماء رفعان ، رفع الدخان الأم ، المتصاعد إلى أعماق الفضاء بعد تفجرة المادة الأولى ، ورفع الطبقات السبع ، كلٌ فوق بعض ، وعلَّ « السماء رفعها » تعنيهما ، فلا تعني السماء جهة العلوّ فقط لكي تنافي خفضها قبل رفعها ، وإنما الغاز التي هي مادة السماء ، والجهات والفضاآت العلوية هي أمكنة السماوات ، وقد رفعت إليها ، وكما أن كل سماءٍ مرفوعة على ما تحتها ، كذلك الساوات مرفوعة على ما تحتها من كرات ومنها الأرضون بما فيها أرضنا ، ثم وهي كلها مرفوعة بعمد ولكن لا ترونها : « رفع السماوات بغير عمد ترونها » « 4 » « 5 » .
فاللَّه رفع السماء ، هذا الفضاء السامق الهائل الذي لا تبدو له حدود ، وعلق عليها مليارات القناديل ، السيارات منها والثابتات ، ولولا التقدير والميزان الموضوع في أقدارها وحركاتها لانفلتت فأفلتت الكائنات عن مسيراتها ومصيراتها ، ولكن الرحمان :
« ووضع الميزان » : وضعاً هو رفعٌ لما له الميزان ، ميزان أنزله الرحمان : « اللَّه الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان » « 6 » ميزان علم القرآن وسائر الميزان : وضعه في التكوين وفي
هامش
( 1 ) . 55 : 7
( 2 ) . 41 : 12
( 3 ) . 21 : 35
( 4 ) . 2 : 13
( 5 ) . راجع سورة النازعات ص 86 - 88 ، وسورة الأنبياء في آية الفتق ، وسورة فصلت الآيات 9 - 12 في سورة الفرقان
( 6 ) ) 42 : 17