استعمار الأرض
« . . . هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ » « 1 » .
هنا عرض لنعمة سابقة سابغة ربانية بعد الدعوة التوحيدية أنه « هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها » إنشاءً في التكوين واستعماراً فيه ، وانشاءً في التشريع .
فطالما أصبحت صيغة الاستعمار صيغة زائفة كما السياسة والإستثمار ، حيث الساسة المستعمرون المستثمرون كانوا ولا يزالون يظلمون الناس فيما هم عاملون .
نرى هنا « استعمركم فيها » من الصفات الربانية ، وكما الاستثمار في الزخرف بمعناه :
« ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً » . « 2 »
ولكن أين استعمار من استعمار ، وإستثمار من إستثمار ، وسياسة ربانية من سياسة شيطانية ؟ ! .
فالإستعمار الرباني هو طلب العمران الإنساني في هذه الرقعة الأرضية ، عمراناً للأرض نفسها لعمران الحياة الجسدانية فيها ، وعمراناً للروح الإنسانية الساكنة الماكنة فيها وأين عمران من عمران ؟ .
لقد إستعمرنا ربنا في الأرض التي أنشأنا منها إستقراراً برياحة الحياة الأرضية ، واسترواحاً لأرواحنا ، حيث العقل السليم هو في البدن السليم ، فالأصل في الاستعمار هو استعمار الأرواح ، في الأبدان المستعمرة العامرة إذ هي أمكنة الأرواح ومجالاتها العملية الظاهرة في مجالات للحياة .
إن المستعمرين الطغاة الظالمين إنما يهدفون من استعمار الأرض عمران حياتهم الأرضية بتهديم العمال عن بكرتهم وإستحمارهم ليحنوا ظهورهم لهم فيركبوهم ، ولا يُطعمونهم شِبعَهم إلا سدَّ رمقهم ليواصلوا في هذه العمالة الظالمة ، فهو - إذاً - استعمار لأنفسهم دون من يستعملونهم للعِمار .
واللَّه سبحانه خلق لنا الأرض قبل أن يخلقنا منها ، ثم إستعمرنا فيها بما خلق من معدات العمار فينا وفي أرضنا ، وجعل استعمار الأرض من العبادات ف « هو الذي خلق لكم ما في
هامش
( 1 ) . 11 : 61
( 2 ) . 32