مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولًاا 72 لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً » « 1 »
آية الأمانة هذه منقطعة النظير في عرض الأمانة على الكون فإبائها عن حملها والاشفاق منها وان الانسان حملها « انه كان ظلوماً جهولًا » فما هي تلك الأمانة وما هو عرضها وحملها والإباء عن حملها ؟
الأمانة - بوجه عام - هي كل ما يؤمن عليه ويُطمئَن به مالًا أو حالًا أو عملًا امّاذا من واجب الأداء إلى أهلها كما اوءتمنت وحيث وأنّى وكيفما ، ولا تصدق الأمانة إلّا فيما قُبلت طوعاً أو كرهاً فاداءً لها أم خيانة فيها ، واما التي لم تقبل حتى يؤمن عليها فتؤدى أو تخان ، فلا تحمل اسم الأمانة مهما وجب قبولها أو لم يجب ، وكما وهي مستحيلة بالنسبة للأمور التي ليست لتنفصل عن المؤتمن حتى يأتمن غيره فيها .
ثم المقبولة طوعاً كسائر الأمانات أو كرهاً كامانة السماوات والأرض والجبال ومن ضمنها الإنسان ، هي بين محمولة دون رد وبين مؤداة ، فمن طبع الأمانة أداءها لا حملها إلّا لأدائها ، فمن حمَلها فقد خانها : « فان أمن بعضكم بعضاً فليؤذ الذي اؤتمن أمانته وليتق اللَّه ربه » « 2 » « اللَّه يأمركم ان تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل » « 3 » كشريطة من شروط اسلام التكليف ، وباحرى ايمانه : « يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا اللَّه والرسول ولا تخونوا أماناتكم » « 4 » « والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون » « 5 » .
وقد تختلف الأمانات وجاه متقبليها في عرضها ، فلا تُعرض أمانة العقل على من ليس يعقل ، ولا أمانة الشعور على من ليس يشعر ، ولا اية أمانة على ما ليس ليحملها ، وهنا « الأمانة » معروضة على الكون كله فكائنة كامنة في الكون كله ، المعبر عنه هنا وفي سائر القرآن ب « السماوات والأرض » وتخصيص الجبال من زمرة غير العقلاء يعني مثالًا لأصلب كائن وأصلده ، كما تخصيص الانسان من زمرة العقلاء يعني اعقل كائن ، فهذه الأمانة من الرحمة الرحمانية بعد الخلق كالهداية العامة : « ربنا الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى » ومن الهدى لكل شيء التسبيح « وان من شيء لا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم » وتجمعهما الولاية وكما في رواية .
اذاً فليست هي فقط - أمانة العقل إذ تخص العقلاء ، ولا أمانة الشعور إذ تخص الدواب ، ولا اية أمانة تخص كائناً دون سواه ، فهي اذاً أمانة تعم كل كائن هي مخلوقة معه مفطورة فيه ،
هامش
( 1 ) . 33 : 72 - 73
( 2 ) . 3 : 283
( 3 ) . 4 : 58
( 4 ) . 8 : 27
( 5 ) . 23 : 8