ذودٍ عن ساحتها ان تعلِّمه ، وبيان انها قائلة قولها متحسرة في ذلك العرض .
وترى « وليس الذكر كالأنثى » هي من قولها ، والعكس أحرى لأنها وضعتها أنثى فليقل « وليست الأنثى كالذكر » !
أم هي من قول اللَّه ، والجملة المعترضة بحاجة إلى برهان لأنها خلاف المعود من سرد الجمل .
قد تكون هي من قول اللَّه شعاراً في هذه الإذاعة القرآنية أن الذكر المطلوب هنا ليس كالأنثى الموهوبة ، بل هي أعلى منه وأولى ، إذ تحمل إضافة إلى ما تطلبته من التحرر ، فإنها تُتقبل محررة في نفسها ، وولدة لعيساها وهما من آيات اللَّه الكبرى ، وليست « وليست الأنثى كالذكر » لتفيد ذلك المعنى .
ثم هي من قولها على هامش قول اللَّه ، عناية إلى غير معناها : ان الذكر ليس معذوراً هكذا ، حيث الأنثى لا تصلح لما يصلح له الذكر ولا سيما في حقل التحرر هكذا ، لأجل ما يلحقها من الحيض والنفاس ، وما أشبه وما يلزمها من الصيانة عن التبرج للناس ، فإذا خالطت الرجال افتتنوا بها واستضروا بمكانها كما تفتتن هي بهم ، حيث النساء أوهن عقوداً ، واضعف عقلية وصموداً ووساوس الشيطان إليهن أسرع ، فأهواءه إليهن أهرع .
ثم العكس يفيد نفس المعنى ولكن في الأصل رجاحات ليست فيه :
1 - « وليس الذكر كالأنثى » اختصار عن قالتين مختلفتي المعنى : قول اللَّه وقولها ، وليس العكس ليعني - فيما يعني - قول اللَّه .
2 - حسن التعبير في وزن الكلام يقتضي تقديم الذكر على الأنثى .
3 - حسن المعنى في تقديم الأفضل على الفضيل .
4 - يتقدم الذكر لتقدمه في عناية النذر فيذكر - اذاً - تحسراً على فقده .
وإنها تتحسر عن فقد الذكر انه ليس كالأنثى ، فلا يتهم في خلوة البيت كما تُتهم ، وهو أقوى من الأنثى ، وهو خلوٌ من اعذار الأنثى ، وهو يصلح للنبوة وما أشبهها دون الأنثى ، و « إني وضعتها أنثى » فهل من علاج أن تقوم الأنثى مقام الذكر وتفي بما يفي ؟ ! فمما تقوي رجاءها في تحقق بغيتها « وإني سميتها مريم » : المرتفعة الغالبة - تتغلب على عراقيل الأنوثة ونقائصها وضعفها وما سواها ، وترتفع عن كل نقائص الأنوثة والرجولة بجنب اللَّه .
ثم « واني أعيذها بك » لا هي فحسب بل « وذريتها من الشيطان الرجيم » مما يلمح صراحاً انها ألهمت بمستقبل ذريتها ، وعلّ « ليس الذكر كالأنثى » كقول الرب ألهمت إليها بعد قالَتِها نفس القول أم عنده .
« فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 341
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٣٤١