إذا كان الطيب عند اليتامى أنفسهم ، وموقف النهي هنا هو الأموال الكائنة عند أوليائهم لا عندهم أنفسهم ، ثم الحال الطيبة وهي التي أمر اللَّه الأولياء بها رجاه اليتامى والخبيثة هي الحال الجاهلية ، وكذلك الفعال الطيب ، فلا يجوز بالنسبة لليتامى إلَّا الطيب وكما تعنيه في خصوص أموالهم : « ولا تقربوا مال اليتيم إلَّا بالتي هي أحسن » « 1 » .
ومن طليق الدلالة في هذه الآية انها تعني النهي عن هكذا تبدل في كافة الحقول ، أن يطلب الإنسان الخبيثَ بالطيب لنفسه أو لآخرين ، مهما وردت هنا مورد اليتامى ، حيث الأصل هو عموم اللفظ لا خصوص المورد .
هذه التوصيات سلبية وإيجابية تشي بواقع الجاهلية الجهلاء الظالمة بالنسبة لحقوق الضعاف ولا سيما اليتامى والنساء ، ولا نزال حتى اليوم نراها مهضومين في مختلف حقوقهم ، لذلك نرى القرآن يسد كل الثغرات النافذة إلى حقوق الضعاف ، معالجاً معاجلًا بكل العلاجات الصالحة ، رعاية للأهم فالأهم حيث لا يمكن الجمع بين المهم والأهم ، لكي تصبح الجماعة المؤمنة عادلة فاضلة في كل الحقول ، بريئة عن قضايا الجاهلية كلِّها ، فتصلح أن تكون أمة مصلحة بين الأمم ، وسطاً بين الرسول وسائر الأمم .
لقد كانوا يحتالون في أموال اليتامى مختلف الحيل ، قد يحسبون البعض منها حقاً شرعياً كأكل أموالهم إلى أموالهم ، غايتها كغايتها ، ولأنهم يتولَّون أمورهم كآباءهم فليكونوا شركائهم في أموالهم كآبائهم ، ف « إلى » هنا كما في سواها هي لمنتهى الغاية ، ولا تعني معنى « مع » كما قيل تصحيحاً للمعني من « إلى المرافق » في آية الوضوء ، فإنه غلط على غلط .
لقد تأرجف صاحب هذه القيلة كالأرشية في الطوى البعيدة ليحصل - في زعمه - على فتوى شيعية هي وجوب غسل اليدين من المرفقين ، فأوَّل « إلى » في آية الوضوء إلى « مع » واستدل بمشابه في زعمه هو « مَن أنصاري إلى اللَّه » وهذه الآية ، وهما لا تنصرانه في تأويله ولو عنت « إلى » فيهما معنى « مع » ولن تعنِه أبداً .
فعناية معنىً خلاف الظاهر بقرينة في مجال لا تأتي قرينة على نفس الخلاف في مجالات أخرى دون قرينة .
ذلك ! وقد بينا على ضوء آية « أنصار اللَّه » أن « إلى » فيها ليست لتعني إلَّا معناها ، وهي هنا من نفس النمط ، إذ لا معنى للقول « لا تأكلوا أموالهم مع أموالكم » حيث تشي بان المحظور
هامش
( 1 ) . 6 : 152