الأمر والنهيللحافظين حدود اللَّه وكما يقول اللَّه : « فالملقيات ذكراً . عذراً أو نذراً » « 1 » .
فعلى الدعاية مواصلة الدعوة بإلقاء الذكر ، فإن لم يؤثر ف « عذراً » عند اللَّه أنني بلغت ، ولكيلا يكون في تركه حجة للمتخلفين ، وإن أثر ف « نُذراً » ف « إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم » « 2 » إنذاراً مؤثراً .
فالإنذار بكل بنوده هو واجب الداعية في كافة الحقول . سواء لهؤلاء الذين « سواء عليهم ءَأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون » « 3 » فإنه « سواءٌ عليهم » لا عليك « فإنما عليك البلاغ » « 4 » .
أم « من اتبع الذكر » : « إنما تنذر من اتبع الذكر . . » إذاً فليس احتمال التأثير في باب الأمر والنهي مما يحتمله هذان الفرضان الإلهيان ، وإنما « عذراً » : « معذرة إلى ربكم » أو « نذراً » :
« ولعلّهم يتقون » وهنا « ربكم » في موقف التنديد بهؤلاء الذين تركوا واجب التربية بذلك النهي وإنحازوا إلى النهي عن ذلك النهي .
ثم من عظيم الفائدة فيمن تعلم أنه لا يتأثر بالفعل ، أنه لعلَّه يتأثر بتكرار العظة وتواترها ، أم - ولأقل تقدير - تكون العظة حجة عليه كيلا يقول الذي لا يتأثر : إن وُعظت تأثرتُ ، أو إن كرَّرتَ لاتعظت ، فتواتر العظة البالغة - إذاً - حجة بالغة على طول الخط ، وقد تؤثر في قوم لُدّ : « لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لداً » « 5 » - « لتنذر قوماً ما أنذر آباءهم فهم غافلون » « 6 » - « لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلَّهم يهتدون » « 7 » فالنهي فرض رباني نؤديه على أية حال لنبلغ إلى ربنا عذرنا بما أدينا من واجبنا ، ثم لعل النصح يؤثر في تلك القلوب العاصية القاسية الجاسية فيثير فيها حِراس التقوى بعد مراس الطغوى .
ذلك ، فكلٌ من « معذرة إلى ربكم » و « لعلهم يتقون » موجب بنفسه واجب الأمر والنهي على أية حال ، واشتراط احتمال التأثير في فرض الأمر والنهي لا يعدو الخيال مهما أفتى به جموع من هؤلاء الذين لا تهمهم النصوص القرآنية ، ماشين وراء الشهرات والإجماعات مهما خالفت نصوص الكتاب ! ولا يفلت عن واجب الأمر والنهي إلا في ظروف الحفاظ على الأهم القاطع الناصع ، وما سواها على سواء في فرضهما ، سواء أيقن بالتأثير ، أم ظن أو شك
هامش
( 1 ) . 77 : 6
( 2 ) . 36 : 11
( 3 ) . 36 : 10
( 4 ) . 3 : 20
( 5 ) . 19 : 97
( 6 ) . 36 : 6
( 7 ) . 32 : 3