والمستحِلُّ المستغِلُّ من الأموال العامة أكثر من سعيه أو مستحقة أمن ذا من آكلٍ ما ليس له إذ لا يقابله سعى واستحقاق ، اللّهم إلّا العجزة والقُصَّر العاجزون عن سعي يكفيهم لضرورة المعاش حيث يأكلون من بيت المال دونما تدجيل ولا إدغال .
فصيغة الربا - وهي لغوياً الانتفاخ والزيادة - « 1 » تعم كل هذه وتلك مهما اختلفت دركاتها .
فكل انتفاخ لمال أو عمل أمّا شابه ، يخيِّل إلى الناظر حقيقةَ الواقع وواقع الحقيقة ، لتُستلب به زيادةٌ عن الحق ، تشمله الربا فإنها زيادة عن الحق في كل الأعراف السليمة فضلًا عن المسلمة ، مهما اختلفت رباً عن رباً .
فالذي يقرض مالًا له بفائِدة مستمرة ودون عمل منه ، هو أربى المرابين ، ثم وأرباهم مَن يأكل الربا أضعافاً مضاعفة ، إنتفاعاً من الربا كانتفاعه من رأس مالها ، فهو رباً على رباً ، ثم ربا المعاملة في آية معاوضة .
ثم الذي يَعمل أو يُعمل له ويأخذ زيادة - يسيرة أو كثيرة - عن استحقاقه في عمله وسعيه هو أدنى المرابين مهما اختلفت دركاتهم .
هنا مثلث الآيات تتجاوب في حرمة اكل زيادة عن السعي ، فآية الاكل بالباطل تمنع عن اكل كل باطل ، وآية السعي تحصره في السعي قَدَره العادل ، وآية الربا تمنع كذلك عن كل زيادة عن الاستحقاق العاقل .
وليست الزيادة الممنوعة محصورة في المساحة عملًا أو سلعة أماهيه ، أم زيادة الثقل أو العدد ، إنما هي - ككل - زيادة السعر عن العادل المعتدل .
فخلاف ما يقال أن مناً من سمن لا يبدَّل بأكثر منه من لبنه لإتحاد الأصل ، نقول لا تجوز المبادلة بينهما إلّا بسوي السعر ، فقد يسوى منٌّ من الدهن عشرين مناً من اللبن فلا رباً في هذه الزيادة وزناً ، بل وإذا تساويا وزناً فأخذ السمن بديلًا عن قدره من اللبن هو الاكل بالباطل عشرين ضعفاً .
ثم ولا تختص الربا المعاملية بالبيع ، حيث تعم كل المعاملات الربوية ، ولا بالمكيل
هامش
( 1 ) . فالإنتفاخ مقدمة للزيادة ، فكما الإنتفاخ تظاهر بما ليست له حقيقة ولا واقع ، ثم يستجلب به زيادة حقليست بحق كذلك الربا ككل ، إنتفاخاً لرأس المال ليؤكل من منافعه دون عمل ، أو إنتفاخاً للعمل حتى يؤخذ عليه أجر أكثر ، أو إنتفاخاً لسلعة حتى تبدل بثمن أكثر وهكذا