. . بما ظلموا واخرجوا من ديارهم
وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ « 1 »
قد تلمح « هاجروا » بمضيها أنها السابقة على نزول الآية إذاً فهي الهجرة إلى المدينة ، فالآية إذاً مدينة في سورة مكية ، ولكنها قد تعني الهجرة إلى الحبشة ، السابقة على هذه الآية في مكة ، ثم المهاجرة هي حجر الأساس في حكم الآية ، سواء أكانت سابقة أم لاحقة ، إذاً فهي تشمل بتجريدها عن مضيها كل مهاجرة في اللَّه من بعد ماظلموا ، من مكة إلى الحبشة ، ومن المدينة إلى مكة حيث كان من الأنصار مهاجرون لان المدينة كانت دار شرك ، ثم من مكة إلى المدينة ، ومن ثم كل انتقالة في اللَّه من مكان إلى مكان اياً كان وايان ما طلعت الشمس وغربت .
فقد يهاجر - للحفاظ على ايمانه أم نشر الايمان - عن وطن أم مال وأهلين ، وأخرى عن حياة عن بكرتها حيث تكون حياة الإيمان في خطر السقوط ، فإذا دار الأمر بين حياتي أنا وحياة الايمان فالايمان أحرى بالبقاء .
وفي الخبر « لا يدخل الجنة إلّا من هاجر » حيث تعم صيغة المهاجر كلَّ أهل الجنة ، وغير المهاجر في النار ، فليس - فقط - مهاجرة خاصة من مكان إلى آخر ، بل هجران المعاصي والتباعد عن المآسي ، وتحقيقاً لكلمة الحق : « لا إله إلا اللَّه » .
« لا إله » تقتضي المهاجرة عن ابعاد ثلاثة من المحرمات وهي النفسية والجماعية والمعيشية تحت السلطة الطاغوتية ، كما « إلا اللَّه » تثبيت لثلاثة أخرى هي النفسية والجماعية وتثبيت السلطة الربانية ، فالمؤمن مهاجر على أية حال ما دام هنالك فسق أو كفر فردي أم جماهيري أم في الحكم حيث المسؤولية لنفي الباطل وتحقيق الحق تشكِّل الحياة الإيمانية .
هامش
( 1 ) ) . سورة النّحل 16 : 41