تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
ففرض المقاتلة « حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله اللَّه » يحلِّق على كل العصور الإسلامية ، مهما كانت زمن الغيبة هي تعبيد الطريق وتوطئَة لإجتثاث الفتن العالمية عن بكرتها . فسياسة الخطوة بعد الخطوة ، سائرة دائرة في الحفاظ على أنفس المسلمين ، ابتداءً من الحياد عن جوِّ الإيذاء ، ثم الصبر دون دفاع ، ثم دفاع قدر المقدور عن أنفسهم المهاجَم عليها ، ثم الدفاع عن نفوس آخرين مستضعفين ، ثم الدفاع عن ناموس الحق أمام من لا يدينون دين الحق مهما لم يهاجموا هم أنفسهم عقيدياً ولا نفسياً ، حملًا لهم على سماع الحق فإما تسليماً لما تسلَّموه أم إخماداً لنائرتهم . وكلٌّ يقدَّر بقدر المستطاع ، دون النزوع إلى ما لا يطاق ، وإلى أن يتسلم الإمرة الشاملة - على العالم كله - ولي الأمر كله عجل اللَّه تعالى له الفرج وسهل له المخرج . ولماذا كان الكف عن الدفاع في العهد المكي واجباً لزاماً ؟ والدفاع - على أية حال - حق ذاتي لكل مَن يهاجم ؟ . قد يكون من أسبابه تطوع نفوس المؤمنين الأُوَل - وهم قواعد بناية الإسلام - للتصبُّر ، خضوعاً لقيادة موحِّدة ، وهم شديدوا الحماسة لا يتصبرون على الظلم والضيم ، وذلك الصبر يمرِّن على الطوع رغم النزعات الشديدة والهياجات المدبَّرة في أية حركة مضادة عليهم ، صبراً بما أمروا « كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة » . ثم البيئة العربية كانت - ولا تزال - بيئة نخوة ونجدة ، إذاً فصبر المسلمين على الأذى وفيهم من يملك الصاع صاعين واصواعاً ، ذلك كان مما يثير نخوة الآخرين وتحريك قلوبهم نحو الإسلام بهكذا مسلمين ، وقد حدث بالفعل في اضطهاد الشعب عندما أجمعت قريش على مقاطعة بني هاشم فيه لكي يتخلوا عن حماية الرسول صلى الله عليه وآله ، فلما تفاقم أمر الإشتداد في الاضطهاد ثارت نفوس من قريش نجدة ونخوة ، فمزقت صحيفة المعاهدة الملعونة ضد الرسول صلى الله عليه وآله وانتهى الحصار ، كخلفية صالحة لذلك الحياد عن الدفاع في تلك الفترة .