تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
فيها دون نفسها ، فالغرور - إذاً - هو من فعل الإنسان حيث ينظر إلى الدنيا فينغر بها ، ولا ينظر بها فيبصَّر ، فالحياة الدنيا هي بطبيعها حياة الغرور : « وما الحياة الدنيا إلَّا متاع الغرور » « 1 » . ثم النسيان من اللَّه هو تناسي العارف وكما هم تناسوا عارفين ، فلقد تناسوا لقاء يومهم هذا عارفين ، فاللَّه يتناساهم عن رحمته عارفاً فلا يفيض عليهم منها إلَّا عذابا مهينا . و « دينهم » كما لمّحنا لهم الدينَ الحق فطرياً وعقلياً وشرعياً حيث اتخذوه لهواً يعرضون عنه ، ولعباً يلعبون به ويستهزءون ، والدينَ الباطل وهو الشهوة المطاعة ، توغلًا في اللهو واللعب : « وذر الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وعزتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون اللَّه ولي ولا شفيع ولا تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون » « 2 » . وهكذا « حيل بينهم وبين ما يشتهون » « 3 » فمهما كانت المشتهيات مشتركة بين قبيلي الإيمان والكفر يوم الدنيا فهي خاصة بالمؤمنين يوم الدين : « قل من حرم زينة اللَّه التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي الذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة » « 4 » . وحقاً أقول « ما الدنيا غرتك ، ولكن بها اغتررت ، ولقد كاشفتك العِضات ، وآذنتك على سواء ، ولَهِي بما تعدك من نزول البلاء بجسمك ، والنقص في قوتك ، أصدق وأوفى من أن تكذبك أو تغرَّك ، ولرب ناصح لها عندك متَّهَم ، وصادقٍ من خبرها مكذَّب ، ولئن تعرَّفتَها في الديار الخاوية ، والربوع الخالية ، لتجدنها من حسن تذكيرك ، وبلاغ موعظتك بمحلة الشفيق عليك ، والشحيح بك ، ولَنعم دارُ مَن لم يرض بها داراً ، ومحلُّ مَن لم يوطِّنها محلًا ، وإن السعداء بالدنيا غداً هم الهاربون منها اليوم » ( الخطبة 214 ) .
هامش
( 1 ) ) . 57 : 20 ( 2 ) ) . 6 : 70 ( 3 ) ) . 34 : 54 ( 4 ) ) . 7 : 32