ذلك ، وباختصار نجد القول بمجردٍ سوى اللَّه يخالفه العقل والكتاب والسنة ، فالعقل انما يحكم بحدوث المادة والطاقات المادية ، وليس المجرد عن المادة بحاجة إلى خالق لتجرده عن الحاجة الُمحوِجة إلى الخالق .
والكتاب مصرح بأن الروح مُنشأٌ من البدن : « ثُمَّ أَنشَأْنهُ خَلْقًا ءَاخَرَ » ( 23 : 14 ) وانه منفوخ في البدن « وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِى » ( 32 : 9 ) .
والسنة كلمة واحدة مصرحة بمعنى : أن الروح جسم خفيف قد ألبس قالباً كثيفاً ، أو أنه كالريح لخفَّته .
وبعد كل ذلك نتساءل القائلين بتجرد الروح ، أليس هو داخلًا في البدن ، فمحدوداً بحدود البدن ، ولا حد ولا أبعاد ولا مكان للمجرد عن المادة ، اللّهم الّا الطاقة المادية ، وليس النزاع في كيان الروح الَّا في أصل تجرده أو ماديته ، وأما كونه طاقة مادية - / ان صدقه القائلون بتجرده - / فموضع وفاق بين الطرفين ، وليس النزاع لفظياً حيث الفلسفة والبحوث الفلسفية ناحية منحى الواقع دون الألفاظ الا نظراً إلى مدلولاتها الواقعية .
حول العرش :
لقد تحدثنا حول العرش على ضوء آيات تحمله ولا سيما آية حمله : « ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذٍ ثمانية » و « كَانَ عَرْشُهُ وعَلَى الْمَآءِ » ( 11 : 7 ) وآية الكرسي في قياس بينه وبين العرش ، وما أشبه ، أن العرش المنسوب إلى الله ، المستوى عليه الله ، هو بطبيعة حال هذه النسبة ليس من العروش المادية التي يتكىءُ عليها أصحابها السلاطين ، انما هو إشارة إلى فعلية السلطة الربانية خلقاً وتقديراً وتدبيراً ، فقد كان عرشه هذا على الماء قبل خلق الأرض والسماء : « هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّموَ تِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ وعَلَى الْمَآءِ » ( 11 : 7 ) فلأن « الماء » هنا هو أوّل ما خلق اللَّه - / كما يأتي فيه قول فصل على ضوء آيته - / ثم بعد خلق السماوات والأرض استوى على عرشهما ، ومن ثم بعد خرابهما يستوى على عرش القيامة الكبرى ، فهو - / اذاً - / ذو العرش في هذه المراحل الثلاث واقعياً ، وقد كان ذا العرش قبل أن يخلق خلقاً ، بمعنى حيطته العلمية والقيومية غير الفعلية ، على ما