آية قليلة النظير في كيفية البرهنة على وجود اللَّه وتوحيده ، تحمل أعمق الأدلة الواقعية والعقلية الدالة على الله : « ظاهرة التركب في كل شئ » ! ما يدل دلالة قاطعة لا محيد عنها على الحاجة الذاتية في كل شىءٍ ، في أعماق ذاته ، إلى ما وراءه ، الذي يباينه في كيانه « فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنّى لَكُم مّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ » ؟
هذه الآية تتطلب في ايضاح ما تعنيه دراسة واسعة عميقة فصَّلناها في ( حوار ) « 1 » ونستعرض هنا ما يناسب موسوعتنا ، صادرين عن آيات اللَّه البينات .
إنها تحكم على كلِّ شىءٍ بكونه زوجين ، بُغيةَ التذكر : أن الكل فقراء إلى الله ، فالفرار عن الكون الفقير اللاشىءَ إلى المكوِّن الغنى الذي خلق كلَّ شىءٍ .
« من كل شىءٍ » : ما كنا نعرفه ، وما عرفناه بالجهود العلمية ، وما نحن في سبيل معرفته ، وما لن نعرفه لاختصاص معرفته بمكوّنه : « سُبْحنَ الَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَ جَ كُلَّهَا مِمَّا تُنم - بِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَايَعْلَمُونَ » ( 36 : 36 ) : ما لا يعلمونه حالًا ، أو ولا استقبالًا ، لاستحالة أن يعلمه الّا اللَّه كالمادة الأُمّ : المادة الأولية الفردة التي خلقت لا من شىءٍ ، ومنها يخلق كلُّ شىءٍ ، فلا يعلمها الا الخلاق العليم ، مهما عَلِمَ الخلق عن مواليدها شيئاً .
فالشىء - / أياً كان - / كيانه انه زوجان ، في أقل تقدير ، شريكان في كونه وكيانه ، لولاهما أو أحدهما ، لم يكن هو شيئاً قط ، أوليس هو ذلك الشىءِ .
إن الشئ المادة كسائر المواد ، أو المادي كسائر الأرواح ، انه ككلّ ودون استثناء ، محكوم بازدواجية الكون والكيان ، كيفما كان وأياً كان ، فلا تجد ، ومحال أن تجد : خلقاً هو فرد كائن واقع دون قرين ، وان كان في المادة الأم نفسها ، كما وأن الزوجية والتركُّب والأبعاد لزام الكيان المادي ما دامت كائنة ، فإذا زالت عن الوجود زالت الزوجية كما تزول المادة نفسها ، وكما أنها توجد لأوّل وحلة مركبة الكيان .
ان ازدواجية كيان المادة قد تتبنّى كونها كأصل ، ولأوّل ظاهرة من مظاهرها كالمادة الأُم ، وقد تتبناها كحالات غير اوّلية ، كالحالة الشخصية : موجبة أو سالبة ، كأجزاء للذرات ،
هامش
( 1 ) - / راجع كتابنا : ( حوار بين الهيين والماديين ) ص 211 - / 228 .