أما ترثي لمكتئب
يحبّك لحمه ودمه
يغار على قميصك
حين تلبسه ويتّهمه
من شعره في الشوق :
وذكر عليّ بن الحسين أيضا أن محمد بن السريّ حدّثه أنه أطال الغيبة عن بغداد وقد وسوس خالد ، فمرّ به في الرّصافة والصبيان يصيحون به : يا غلام الشريطيّ يا خالد البارد ، ويرجع إليهم فيضربهم ويزيد ويرميهم ، قال : فقلت له : كيف أنت يا أبا الهيثم ؟ / قال : كما ترى ! فقلت له : فمن تعاشر اليوم ؟ قال : من أحذره ، فعجبت من جوابه مع اختلاله ، فقلت له : ما قلت بعدي من الشعر ؟ قال : ما حفظه الناس وأنسيته ، وعلى ذلك قولي :
كبد شفها غليل التصابي
بين عتب وسخطة وعذاب [ 1 ]
كلّ يوم تدمي بجرح من الشو
ق ونوع مجدّد من عذاب
يا سقيم الجفون أسقمت جسمي
فاشفني كيف شئت ، لا بك ما بي
إن أكن مذنبا فكن حسن العف
وأو اجعل سوى الصّدود عقابي
ثم قال : يا أبا جعفر ، جننت بعدك ، فقلت : ما جعلك اللَّه مجنونا ؛ وهذا كلامك لي ونظمك .
حدّثني محمد بن الطلاس أبو الطيب ، قال : حضرت جنازة بعض جيراني ، فلقيت خالدا في المقبرة فقبضت عليه ، وقلت : أنشدني ، فذهب ليهرب مني ، فغمزت على يده غمزة أوجعته ، فقال : خلّ عني أنشدك ، فأرخيت يدي عن يده ، فأنشدني :
لم تر عين نظرت
أحسن من منظره
النور والنّعمة والنّ
عمة [ 2 ] في مخبره
لا تصل الألسن بال
وصف إلى أكثره
كيف بمن تنتسب الش
مس إلى جوهره !
ينشد شعرا لأبي تمام ، ثم ينشد شعرا عارضه به :
حدّثني عمّي - رحمه اللَّه - قال : مرّ بنا خالد الكاتب ها هنا والصبيان خلفه يصيحون به ، فجلس إليّ فقال :
فرّق هؤلاء عني ، فقلت ، وألحّت عليه جارية تصيح : يا خالد يا بارد ، فقال لها :
/ مرّي يا منتنة الكسّ ، ويا من كسها دس [ 3 ] . فقلت له : يا أبا الهيثم ، أيّ شيء معنى « دس » ها هنا ؟ قال :
تشتهي الأير الصغير والكبير والوسط ، ولا تكره منها شيئا وأقبل الصبيان يصيحون بتلك الجارية بمثل ما قال لها خالد ، وهي ترميهم وتهرب منهم حتى غابوا معها عنا ، فأقبل عليّ خالد متمثلا فقال :
هامش
[ 1 ] في « المختار » ، هد : « وعتاب » .
[ 2 ] النعمة بفتح النون : اسم من التنعم ، وهو : الترفه .
[ 3 ] في « المختار » : « رس » ، ولم أعثر على التفسير الَّذي ذكره خالد اللفظين فيما رجعت إليه من « المعاجم » ، والعبارة مثبتة في النسخ على نظام الشعر ، وليست منه ، ولا لها وزن من أوزانه المعروفة ، وهي في « المختار » على هيئة النثر .