فأجّله إلى منزله وكتب رقعة خبّره فيها بحقيقة [ 1 ] ما أفتى به موسى بن جعفر ، ودفعها إلى صديق لأبي / يوسف ، فدفعها إليه ، فلما قرأها دعا الوصيّ واستحلفه أنه قد صدق في ذلك . فحلف باليمين الغموس . فقال له : اغد عليّ غدا مع صاحبك ، فحضر وحضر جعيفران معه ، فحكم عليه أبو يوسف للوصي . فلما أمضى الحكم عليه وسوس جعيفران واختلط منذ يومئذ .
وأخبرني بجمل أخباره المذكورة في هذا الكتاب عليّ بن العباس بن أبي طلحة الكاتب ، عن شيوخ له أخذها عنهم وإجازات وجدتها في الكتب ، ولم أر أخباره عند أحد أكثر مما وجدتها عنده إلَّا ما أذكره عن غيره فأنسبه إليه .
يقف بالرصافة على رجل وينشده شعرا :
قال عليّ بن العباس : وذكر عبد اللَّه بن عثمان الكاتب أن أباه عثمان بن محمد حدّثه قال :
كنت يوما برصافة مدينة السّلام جالسا إذ جاءني جعيفران وهو مغضب ، فوقف عليّ وقال :
استوجب العالم مني القتلا
/ فقلت : ولم يا أبا الفضل ؟ فنظر إليّ نظرة منكرة خفت منها ، وقال :
لمّا شعرت فرأوني فحلا
ثم سكت هنيهة ، وقال :
قالوا علىّ كذبا وبطلا
إني مجنون فقدت العقلا
قالوا المحال كذبا وجهلا
أقبح بهذا الفعل منهم فعلا
ثم ذهب لينصرف ، فخفت أن يؤذيه الصبيان ، فقلت : اصبر فديتك حتى أقوم معك ؛ فإنك مغضب ، وأكره أن تخرج على هذه الحال . فرجع إليّ ، وقال : سبحان اللَّه ، أتراني أنسبهم إلى الكذب والجهل ، وأستقبح فعلهم ، وتتخوّف مني مكافأتهم ! ثم إنه ولَّى وهو يقول :
لست براض من جهول جهلا
ولا مجازيه بفعل فعلا
لكن أرى الصفح لنفسي فضلا
من يرد الخير يجده سهلا
ثم مضى .
رثي وحده يدور في دار طول ليلته وهو ينشده رجزا :
وقال عليّ بن العباس ، وقال عثمان بن محمد [ 2 ] : قال أبي :
كنت أشرف مرة من سطح لي على جعيفران وهو في دار وحده وقد اعتلّ ، وتحركت عليه السوداء ، فهو يدور في الدار طول ليلته ، ويقول :
طاف به طيف من الوسواس
نفّر عنه لذّة النّعاس
فما يرى يأنس بالأناس
ولا يلذّ عشرة الجلَّاس
هامش
[ 1 ] كذا في أ ، م ، س ، ب : « تحقيق » ، تحريف .
[ 2 ] م : « عبد اللَّه بن عثمان بن محمد » .