و ذلك أنّ عمارة مادّة الدّنيا بما هي دنيا لاينتظم إلّابالقلوب القاسية ؛ و ذلك كما تقرّر في محلّه ، و إنّ في تلك العمارة الحكمة بالغةً لايبلغ كُنهها عُقول العقلاء و فهوم العلماء و أوهام الحكماء ، و لا رخصة في الكشف عن سرّها .
و بالجُملة لقد قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ »
« 1 » ، و ذلك القلب هو القلب المنكوس في صدور الّذين نكسوا على الرُّؤوس .
فعلى ما جرينا يكُون المُرادُ من « الثور » ، ثور ثَوَر ان النفس الشهوانيّة البهمُوتيّة الأمّارة بالسّوء و الفحشاء ، و طغيانها التي تبعثها على دعوى الرّئاسة و ادّعاء الأولوية بالخلافة و الولاية ، و قد تبعثها على دعوى الرّبُوبيّة .
فلعمر الحبيب إنه لحقيق بكونه ظلوماً جهولًا « 2 » ، و الظالم الظلوم الطّاغي ، و الجَهول الباغي ، و لحريٌّ به أن يضطرّ إلى المحاربة و إلى الكدّ المدافعة والممانعة و المقابلة ، فيكون قرن الثور الحربي هاهُنا القوة الغضبية و الآلة السّبعيّة الّتي بها يحاربُ ذلك الثّور الفحل الحربي البالغ في شهوة البهيمي ، و بها يذبّ عن دين الجهل ، و يجاهد و يدافع عن ملة الجَهلاء ، ملة طاغوت الأهواء ، بهموت الثرى .
و أمّا « الثرى » فهي طينة المعصية و الطغى ، و هي عكس فلك البروج الذي هو أرض جنة المأوى ، و معدن تراب طين الطاعة و التُّقى .
و أمّا « تحت الثرى » - و هو السرّ الذي يقوم بردّ غلبة الثرى - فقد ضلّ فيه فهومُ العلماء ، و ذلّ فيه فهوم العلماء ، و ذلّ فيه أوهام الحكماء ، و تزلزل عقول العقلاء ، و ذلك أنّه سرٌّ مستسرّ مقنّع بالسرّ من أسرار القدر والقضاء ، مكنون مخزونٌ عند خازن مخازن أسماء اللَّه الحسنى ، ممنوع عن دركها العلماء ؛ كما قال اللَّه تعالى حكايةً عن روحه المقدّس و كلمته العليا عيسى :
« تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ »
« 3 » . و هذه
هامش
( 1 ) . التحريم ( 66 ) : 6 .
( 2 ) . اقتباس من سورة الأحزاب ( 33 ) ، الآية 72 .
( 3 ) . المائدة ( 5 ) : 116 .