وفيها رضا الربّ جلّ جلاله وإن يشكروا يرضه لكم ، ولا يرضى لعباده الكفر .
فتأمّل فيما أشرنا إليه جدّاً تجد حقيقة الأمر فيما اختلفوا فيه بأنّ أعمال العباد تثمر الحجج عليهم السلام أم لا ، فهم بين مثبت ونافٍ ، فتفكّر فيما أشرتُ حتّى تثبت وتنفي ولا تثبتُ ولا تنفي ، ولا علينا أن نبيّن ذلك مختصراً نافعاً ، وهو
« بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ أَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ »
« 1 » ،
« اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ »
« 2 » .
فالإيمان سبب لولاية اللَّه ، يهديهم ربّهم بإيمانهم ولعنّاهم بكفرهم .
وأنّ اللَّه عدوٌّ للكافرين ، فالكفر الصادر من الكفّار موجب لعداوة اللَّه لهم ، و كذا إيمان المؤمنين صار سبباً لسرور الأنبياء والمرسلين والأوصياء المقرّبين والملائكة والمؤمنين الممتحنين .
كما أنّ كفر الكفّار ونفاق المنافقين صار سبباً لسخط اللَّه وغضبه عليهم وسخط الأنبياء والمرسلين والملائكة المقرّبين والأوصياء المكرمين والمؤمنين ، فبذلك حصل الفوائد في جميع المراتب ، ومع ذلك جزاء الأعمال والأفعال عائد إلى الفاعلين العاملين ، ولا يصعد عنهم إلى ما فوق ذنبهم .
وإلى ذلك كلّه تأويل قوله تعالى :
« لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ »
« 3 » .
فإن قيل : فعلى ذلك لزم أن يتغيّر المراتب العالية بعبادات العابدين ومخالفات المخالفين ؟
فأقول : أمّا تغيّر الذوات العالية فلا يلزم ، أمّا تغيّر صفات تلك الذوات فلا ضير فيه ؛ ألا ترى زيداً لا يتغيّر في ذاته بأنّه هو وإن تغيّر صفاته ، فالقائم تغيّر فيصير قاعداً ، والقاعد تغيّر فيصير قائماً وذاته ذات واحدة لا تغيّر فيها ، والقائم والقاعد اثنان وهما
هامش
( 1 ) . محمّد ( 47 ) : 11 .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 257 .
( 3 ) . الحجّ ( 22 ) : 37 .