بحيث لو أراد لرأى ؛ لأنّه إذا شاء شاء اللَّه ، فيخفي عليه السلام هو على بصره بعض الجزئيّات ، فكذلك نقول بالنسبة لغير بصيرته ، فبيده خزانة ما كان و ما يكون ، متى أراد علم ، أو إنّه عالم فعلًا لكنّه قد يجعل على بصيرته حجاباً من نفسه بحيث لا يريد أن يعلم بعض الجزئيّات ؛ لحكمة ، وأمْر الجارية من هذا القبيل .
وقد بسطنا القول في ذلك ، وتكلّمنا على وجه الجمع بين متنافرة الأخبار من قولهم : « لولا نزداد لنفد ما عندنا » وممّا ذكرنا من أنّ عندهم علم ما كان و ما يكون و غير ذلك في الكتاب المذكور ؛ ومَن أراد حقيقة الحال فليرجع إليه .
واختلف في صيغة « علّام » هل هي للمبالغة أو للتكثير ؟ الأكثر على الأوّل ؛ « 1 » وهو معناها المصوغة له .
والذي يختلج ببالي أنّ المراد بالمبالغة حينئذٍ المبالغة في الحصر ، لا حصر المبالغة ، وإلّا لم يناف تحقّق شيء من علم الغيب لغيره ، وهذا كما قالوه في
« لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ »
« 2 » أنّه للمبالغة في النفي ، لا نفي المبالغة . « 3 »
ولام « الغيوب » تحتمل الاستغراق ؛ أي كلّ غيب على حدّ الاستغراق في قوله :
« إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ »
« 4 » .
و ما قيل : إنّ استغراق المفرد أشمل منه ، لعدم منافاة استغراق الجمع لخروج الواحد والاثنين ، « 5 » إذ غايته أنّه استغراق كلّ جمع ، واستغراق المفرد استغراق كلّ فرد ، فمردود ؛ فإنّ ذلك لو سلّم في الجمع المنفيّ ك « لا رجال في الدار » مع جواز كون واحد أو اثنين فيها ، لكنّه غير مسلّم في الجمع المحلّى باللام كما نحن فيه ، وعليه أئمّة الاصول والنحو ، ودلَّ عليه الاستقراء ، وصرّح به أئمّة التفسير في كلّ ما وقع في
هامش
( 1 ) . انظر مجمع البيان ، ج 2 ، ص 261 في تفسير الآية 110 فى سورة المائدة .
( 2 ) . آل عمران ( 3 ) : 182 .
( 3 ) . انظر مجمع البيان ، ج 2 ، ص 551 فى تفسير الآية 52 من سورة الأنفال .
( 4 ) . الأعراف ( 7 ) : 56 .
( 5 ) . انظر رياض السالكين ، ص 381 ؛ والحاشية على الكشاف للجرجاني ، ص 55 .