والمراد بشرّ ما يعلمه تعالى مجموع ما انطوى عليه نطاق المتعوّذتين ، فلا يفد شيء منه .
ثمّ إنّ مساق الكلام يقتضي أن يكون « تعلم » هنا أيضاً بصيغة الخطاب ، كما هو في كثير من النسخ ، وعليه ما وجدناه من نسخ الكافي ، وفي بعض النسخ بالنون بصيغة المتكلِّم مع الغير بزيادة « و ما لا نعلم » « 1 » لإرادة التعميم .
ولعلّ السرّ حينئذٍ في تغيير الاسلوب التحاشي عن التصريح بنسبة علمه للشرّ على حدّ تحاشي الخضر عليه السلام في قوله :
« فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها »
« 2 » ، مع تحقّق إرادته تعالى لقوله :
« وَ ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي »
« 3 » ، فكنّى الخضر عليه السلام عن إرادته تعالى ذلك بنفي كونه عن أمره نفسه وإرادته بنفسه كما فعل صلى الله عليه و آله في قوله :
( فإنّك تَعْلَمُ ولا نَعْلَمُ ) تنبيهاً على شمول علمه وإحاطته بكلّ معلوم وعدم إحاطة علمنا .
وأيّ النسختين كانت فهذه الجملة لبيان السرّ في نسبة الخير والشرّ لعلمه دون علمنا ؛ لأنّ علمه تعالى على صرافة الحقيقة بكلّ شيء منتهٍ لمباديه وأسبابه كلّها ، وكذلك مسبّباته وغاياته ، ويكفي في تحقّق جهلِنا جهلُنا بالسبب الأوّل ، وهو الذات الغيبيّة الكُنه عنّا ، فلا يعلم ما هو إلّاهو
« وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ »
« 4 » ؛ أي فوق كلّ عالِمٍ علماً مغايراً لذاته عالِمٌ علماً ذاتيّاً متّحداً بذاته ، وهو السرّ في تغيير صيغتي العالم ، وإيراد الأوّل ب « ذو » هو المشعر بالتغاير ، والثاني بصيغة المبالغة المشير إلى طورٍ وراء طور التغاير وهو الاتّحاد .
هذا ، ويجوز أن يُراد بجملة الدعاء نفي العلم عنّا معاشر الخلق رأساً ، وإثباته له وحده تعالى ؛ وذلك لأنّ علمنا - ومنّا الملائكة والأنبياء - مستفاد ، فلا نعلم شيئاً بدون
هامش
( 1 ) . في الفقيه المطبوع : « وأعوذ بك من شرّ ما تعلم و ما لا نعلم » . و ما في المتن مطابق للكافي .
( 2 ) . الكهف ( 18 ) : 79 .
( 3 ) . الكهف ( 18 ) : 82 .
( 4 ) . يوسف ( 12 ) : 79 .