فستر صلى الله عليه و آله ضميره الدالّ على نفسه ، وأظهر ضمير مخاطبه تعالى متّصلًا في محلّ ضميره من الفعل ، فأومى إلى مقام المحبّة الذي هو كشف للحجاب عن القلب ، والتمكين من وطئ بساط القرب ، والجذب إلى محلّ الانس ، والصرف إلى عالم القدس ، وعند ذلك يصير المحبوب ثابتاً في مقام القرب قدمه ، ممتزجاً بالمحبّة لحمه ودمه إلى أن يغيب عن نفسه ، ويذهب عن حسّه ، فتتلاشى الأغيار في نظره حتّى ذاته وسمعه وبصره ، فاستتار الدالّ دليل استتار المدلول .
وهذا الحديث ممّا تزلّ فيه أقدام الناقصين في العرفان ، فيحسبونه دالّاً على الاتّحاد غافلين عن مفاد كلّ من عليها فان ، و لكن من حاز الدرّ المكنون ، علم أنّه من قبيل قوله - جلّ جلاله - في حديث آخر : « يا عبدي ، أنا أقول للشيء : كُنْ فيكونُ ، أطعني تقُل للشيء : كُن فيكونَ » . « 1 »
وعلى مساق مقامه الوصلي وفناء الأغيار في نظره ، ووحدة من بقي في سرّه - وهو وجه ربّه الأعلى - آب إلى مفصّلات ذنوبه التي طلب غفرانها في مفتتح الدعاء ، ووحّدها وحدة علميّة على نسق الوحدة الذاتيّة ، ونظرها من حيث كونها معلومة لربّه ، و به شمّت رائحة الوجود ، فقال :
( لِما تَعْلَمُ ) أي لكلّ ذنب تعلمه منّي ؛ فإنّ النكرة في سياق الإثبات قد تفيد الاستغراق بمعونة المقام ، كقوله تعالى :
« عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ »
« 2 » أي كلَّ نفس كلَّ شيء قدّمته ؛ لقوله تعالى :
« وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً »
« 3 » ، و نشر الكتاب كناية عن الإحاطة بكلّ ما فيه ، ولام الجرّ للتعدية ك
« اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ »
« 4 » ، وربّما يكون فيه للعلّة وتخلفها « مِن » فيُقال : استغفر لذنبه و من ذنبه .
ويجوز أن يكون « ما » موصولًا حرفيّاً ؛ أي لعلمك بافتقاري وضعفي في ذاتي وقد
هامش
( 1 ) . إرشاد القلوب ، ج 1 ، ص 75 ؛ عدّة الداعي ، ص 291 ؛ الجواهر السنيّة ، ص 363 ؛ بحارالأنوار ، ج 90 ، ص 376 .
( 2 ) . الانفطار ( 82 ) : 5 .
( 3 ) . الإسراء ( 17 ) : 13 .
( 4 ) . يوسف ( 12 ) : 29 .