وتقريب العجز عن الشكر آت هنا ، فلا نعيده .
قال سيِّد الساجدين : « وكلّ مقرٍّ على نفسه بالتقصير عمّا استوجبت » . « 1 »
إلى غير ذلك ممّا هو أوضح من الوضوح ، وفي متون القلوب وحواشي الصدور مشروح .
ثمّ استأنف صلى الله عليه و آله و سلم سؤالين آخرين استشفع فيهما بصفة الربوبيّة في صورة النداء لمناسبة أنّ أحدهما من عالم الملكوت ، والآخر من الملك ، وكلّ منهما يستدعيان مالكاً وهو الربّ تعالى ، فقال :
( وَأسألُكَ ياربِّ ) . اختار التصريح بالنداء من دون تعويض ؛ أمّا لفظاً ، فلأنّ التعويض مختصّ بلفظ اللَّه ، وأمّا معنىً ، فلأنّ صفة الربوبيّة المدلول عليها باسم الربّ أمرٌ معلوم ، فصحّ أن يطلب صراحاً ، وينادى كفاحاً ، بخلاف الاسم الجامع الدالّ على الذات المقدّسة ؛ فإنّ مسمّاه أمرٌ مبهم وسرٌّ خفيّ ، فكأنّه لا يحقّ نداءه حقيقة ، والقدر المعلوم منه يناسبه عوض حرف النداء ، وقد تقدّم الإشارة إليه في فواتح الشرح .
واختار من حروفه « يا » لأنّها - على ما قيل - مشتركة بين القريب والبعيد والمتوسّط ، « 2 » وقيل : وضعها للبعيد حقيقةً أو حكماً ، وقد ينادى بها القريب . « 3 »
وبالجملة ، فهي أعمّ حروفه ، فناسب أن ينادى جلّ شأنه بها ؛ إذ هو بعيد من جهة أنّه لايدركه البصر الحديد ، والوهم السديد ، وقريب أقرب إلينا من حبل الوريد ، فهو قريبٌ في بُعده ، وفي قربه بعيد . والربّ يُقال للمالك والسيّد والمدبِّر والمربِّي ، فإنّه يُقال : ربّه وربّاه بمعنى .
قال الراغب : هو في الأصل التربية ، أي إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حدّ التمام ، فهو مصدر مستعار للفاعل . « 4 »
هامش
( 1 ) . الصحيفة السجّاديّة ، ص 162 ، الدعاء 37 .
( 2 ) . حكاه عن بعض في مغني اللبيب ، ج 1 ، ص 488 .
( 3 ) . قال به ابن هشام في مغني اللبيب ، ج 1 ، ص 488 .
( 4 ) . مفردات ألفاظ القرآن ، ص 336 ( ربب ) .