هذا ؛ ولا نسلّم انحصار مقتضى ظاهر التأكيد في التردّد والإنكار ، وله تنبّه محقّقوا الفنّ :
قال صاحب الكشّاف في قوله تعالى :
« وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ »
« 1 » :
ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديراً بأقوى الكلامين وأوكدهما ؛ لأنّهم في ادّعاء حدوث الإيمان منهم ، لا في ادّعاء أنّهم أوحديّون ، إمّا لأنّ أنفسهم لا تساعدهم ؛ لعدم الباعث والمحرِّك من العقائد ، أو لأنّه لا يروّج عنهم لو قالوه على لفظ التوكيد والمبالغة ، وإمّا مخاطبة إخوانهم في الإخبار عن أنفسهم بالثبات على اليهوديّة ، فهم فيه على صدق رغبة ووفور نشاط وهو رائج عنهم متقبّل منهم ، فكان مظنّة للتحقيق ، ومئينةً للتوكيد . « 2 »
وقال بعد كلام : وأمّا قوله تعالى :
« وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ »
« 3 » ، فإنّما أكّد لأنّه ممّا يجب أن يبالغ في تحقيقه ؛ لأنّه لدفع الإيهام ، وإلّا فإنّ المخاطب عالم به وبلازمه ؛ « 4 » فتأمّل .
وعلى هذا فالتأكيد لمزيد المبالغة في صدق الخبر ووفور النشاط وكونه رائجاً ، ولو عُبّر عن ذلك بأنّه للردّ على من استحضرهم المتكلّم وقت الخطاب من المنكرين أو الشاكّين ، فكأنّه نزّل غير المخاطب منزلة المخاطب ، قرب من العبارة المشهورة عند أهل الفنّ .
وقال الشيخ عبد القاهر : قد تدخل كلمة أنّ للدلالة على « إنّ » المتكلّم كان يظنّ الذي كان أنّه لا يكون ، « 5 » كقولك للشيء - وهو بمرءى ومسمع من المخاطب - : إنّه كان من الأمر ما ترى وأحسنت إلى فلان ، ثمّ إنّه فعل جزائي ماترى ، وعليه :
« رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى »
« 6 » ، و
« رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ »
« 7 » و ساق الكلام في خصائص « أن » يظهر من هذا عدم اختصاص التأكيد بما اشتهر من التردّد والإنكار ، وقد يوجّه الدعاء طبق الآيات بأنّ الذي كان ينبغي أن أكون عليه من أوّل به دو خلقي هو الخشية - مثلًا - لما اطّلعت عليه من أسرارك ومعارفك التي تُلزمني الخوف منك أن لا أسأل حدوث ، و لكن ما عندي لا أعدّه خوفاً وخشية ، فأنا الآن أسألك ذلك .
وفيه تنزيل الموجود منزلة المعدوم ، وهو من مقاماته التي يعترف فيها بالذنب
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 14 .
( 2 ) . الكشاف ، ج 1 ، ص 66 ، ذيل تفسير الآية .
( 3 ) . المنافقون ( 63 ) : 1 .
( 4 ) . راجع الكشّاف ، ج 4 ، ص 107 .
( 5 ) . قال به في دلائل الإعجاز ، ص 327 ، رقم 387 .
( 6 ) . آل عمران ( 3 ) : 36 .
( 7 ) . الشعراء ( 26 ) : 117 .