المتكلِّم نفسه شخصاً يتكلّم ؛ لضرورة وجود المتخاطبين في مقام التخاطب ؟ فأين هذا من التوحيد في الذات ؟
قلنا : إذا نفى الموحّد موجوداً سواه تعالى فقد نفى نفسه ؛ لاشتراكه مع غيره في حدّ الإمكان المستدعي لكونه غير الوجود ، فيؤول إلى توحيد الواحد تعالى نفسه ؛ إذ توحّده إيّاه توحيده ، وهذه الإشارة لا تفي بها العبارة .
و بعد أن عرج صلى الله عليه و آله و سلم من مقام الإدبار - وإن كان من الكمال - إلى مقام توحيد الأفعال ، ومنه إلى توحيد مقام الصفات ، ومنه اقتنص توحيد الذات وهو عين الإقبال ، تنزّل مرّة اخرى حسبما اقتضاه الأمر بالإدبار ؛ لتصحيح طرق الاستدلال بالهداية لنعوت الجمال والجلال ؛ شفقةً منه على أهل هذا العالم وعالم المثال ، فطلب منه تعالى الحياة وهي في الظاهر بقاؤه في عالمه هذا ، وأقسم عليه بعلمه وقدرته على حدّ الباء في قوله :
بربّك هل ضممت إليك ليلى * قبيل الصبح أو قبّلت فاها « 1 »
واختار صلى الله عليه و آله و سلم هاتين الصفتين لاستناد الفعل إليهما ، و ما بقي من الأسباب الحقيقيّة للفعل إلّاالإرادة ، وهي في الحقيقة داخلة في القدرة ؛ فإنّها تستلزم الاختيار .
وأمّا ما يوجد في العبارات : « قادر موجَب ، وقادر مختار » فهو تهافت ، والحقّ تقسيم الفاعل لموجب وقادر . ويظهر ذلك من شرح حقيقة القدرة ، والاختيارُ يستلزم الإرادة في الفعل ، والمختار لا يفعل إلّاما يريد ، وقدم العلم للقدمة طبعاً وإن كان الكلّ راجعاً للذات . والاستشفاع حقيقة بالذات في قوله :
( بعِلْمِكَ الغَيْبَ ) نصب على المفعول بالمصدر ، أو بالجرّ على أنّه صفة العلم . والغيب بمعنى الغائب ، أي عن الخلق ، والكلّ شهودٌ لديه .
( وَبِقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ ) أي المخلوقات ، ولهذا أكّده بصيغة الجمع ، فقال : ( أجْمَعِينَ ) ردّاً على من منع عموم قدرته ، وليس مكان الكلام على ذلك .
وفي شرحنا لدعاء السمات شيء منه .
هامش
( 1 ) . انظر الوافي بالوفيات ، ج 24 ، ص 225 .