بالنسبة إلى جميع الأفراد ، ومطلوبيّتها بالنسبة إلى البعض ، فيفترقان عند العقل . « 1 » انتهى .
أقول : إنّ هذا الافتراق إنّما يحصل بعد اختيار الآخرة . و معنى الحديث : أنّ الإنسان قبل اختيار الدنيا والآخرة طالبٌ لهما وهما مطلوبتان له ، فعلى تقدير كون الواو متروكة في الأوّل دون الثاني وكون تركها لغرض من الإمام عليه السلام ، لا يبعد أن يقال : طالبيّة الدنيا ومطلوبيّتها بالنسبة إلى أمر واحد وهو استيفاء ما قدّر من الأرزاق ، بخلاف الآخرة ؛ فإنّ طالبيّتها لإدراك الموت ، ومطلوبيّتها لنيل السعادات .
أو نقول : معنى الحديث أنّ الدنيا طالبة مطلوبة وهي مع الإنسان وظرفه ، والآخرة طالبة له ومطلوبة له ، كأنّ الإنسان والدنيا شيء واحد ؛ لأنّ الإنسان موجود فيها وهو معها ما دام حيّاً ، بخلاف الآخرة ؛ فإنّها تجيء بعد ذلك ، فتبصّر .
قوله : ( مُصَدِّقاً ) [ ح 12 ] بكسر الدال ، بمعنى أنّه كانت أقواله حسنة حتّى يعلم حسن أفعاله ، وخلوص الأفعال وحسنه أمر خفيّ ؛ لأنّ اللَّه تعالى جعل الظاهر من العقل - أي النطق - دليلًا على الخفيّ من العقل أي الاعتقاد . « 2 »
قوله : ( أعظم النار قدراً الذي لا يَرَى الدنيا لنفسه خطراً ) . [ ح 12 ]
الخطر : السبق الذي يتراآى عليه ، يُقال : قد أخطر المال أي جعله خطراً بين المتراهنين ، وخطر الرجل أيضاً قدره ومنزلته ، ويقال : هذا أخطر لهذا وخطير له أي مثله في القدر .
فالمعنى أعظم الناس قدراً الذي لا يرى الدنيا لنفسه مثلًا وعديلًا ؛ لأنّ ثمن الأبدان الجنّة ، لا الدنيا ؛ فلا يبيع نفسه بالدنيا .
قوله : ( إذا طلبتم الحوائج ) . [ ح 12 ]
هامش
( 1 ) . لم نعثر على هذا القول ، و لكن انظر مرآة العقول ، ج 1 ، ص 60 ؛ والحاشية على اصول الكافي لرفيع الدينالنائيني ، ص 54 .
( 2 ) . اعلم أنّ للعقل ظاهراً وهو التكلّم والنطق ، وباطناً خفيّاً وهو الاعتقاد والتفكّر ، والأوّل مصدّق للثاني ؛ لأنّ الظاهر عنوان الباطن كما قال الشاعر بالفارسيّة : از كوزه همان برون تراود كه در اوست ( منه رحمه الله ) .