ولمّا أتمّ عليه السلام الدليل على وجوده تعالى ، وأنّه لا يعرف حقيقته ، وإنّما يعبّر عنه بهذه الألفاظ على قدر الوسع ، أفاد الإمام قسطاً من صفات الجلال ، واختار إيرادها على صفات الجمال من العلم والقدرة تنبيهاً على أنّ صفاته الثبوتيّة ترجع للسلوب ؛ فكمال توحيده نفي الصفات عنه فقال : ( غير أنّه لا جسم ولا صورة ولا يُحَسُّ [ ولا يُجَسُّ ] ولا يدرك بالحواسّ الخمس ) ظاهرةً وباطنةً .
وعطفها على جملة « لا يحسّ » إمّا توكيد أو يخصّ « يحسّ » بحسّ البصر ، فهو من قبيل عطف الشامل على المشمول أو غير ذلك . وفي بعض النسخ « لا يجسّ » بالجيم فهو إمّا من الجسّ اللمس أو التجسّس الاستخبار عنه .
ولمّا أوهم نفي الحسّ جواز إدراك الأوهام له ، قال عليه السلام : ( لا تدركه الأوهام ) أي العقول والأحلام ، فضلًا عن الظنون والأوهام . وسمّى العقل وهماً للمشاركة له في الانقطاع وعدم الوصول على غور المعنى ، فلا ترجيح في كنه الحقيقة فضلًا عن الجزم .
( لا تنقصه الدهور ) لعلّه أراد بالنقص عند الكمال أعمّ من النقص ضدّ الزيادة ؛ فإنّ الزيادة في حقّه نقص أيضاً .
( ولا تغيّره الأزمان ) عطف تفسيري ، أو يحمل النقص على ظاهره ويكون التغيّر في طرف الزيادة أو ما هو أعمّ . وإنّما لم يكتف بالعامّ حينئذٍ لأنّه إذا نفي أحد الخاصّين تطلّعت النفس إلى نفي الثاني ، والحاصل بعد التعب ألذّ من الحاصل به غير طلب . ولعلّ في جمع الدهور والأزمان إشارةً للردّ على مذهب الزنديق من أنّ مهلكه الدهر وقد علم أنّ الواجب لا يتعدّد .
واختار النفي ب « لا » دون سائر أدوات النفي لعموم نفيها الحالَ وطرفيه ، بخلاف غيرها ؛ يكشف عن ذلك علم العربيّة .
ولنقطع الكلام طالبين منه سبحانه الإنعام بانكشاف غوامض الأسرار في أخبار أوليائه الأطهار ، والحمدُ للَّهوحده ، وصلّى اللَّه على محمّد وآله الأبرار .
مجموعه رسائل در شرح احاديثى از كافى (فارسى) — صفحة 178
مساهمون: محمد حسين شمس الدين
ص١٧٨