ذكر الصّبوح سحيرة [ 1 ] فارتاحا
وأملَّه ديك الصّباح صياحا
فقال له مسلم : فلم أملَّه وهو الَّذي أذكره وبه ارتاح ؟ فقال أبو نواس : فأنشدني شيئا من شعرك ليس فيه خلل ، فأنشده مسلم :
/
عاصى الشّباب فراح غير مفنّد [ 2 ]
وأقام بين عزيمة وتجلَّد
فقال له أبو نواس : قد جعلته رائحا مقيما في حال واحدة وبيت واحد . فتشاغبا وتسابّا ساعة ، وكلا البيتين صحيح المعنى .
ذكر أمام المأمون وعرضت أبيات من شعره أعجبته
أخبرني جعفر بن قدامة قال : قال لي محمد بن عبد اللَّه بن مسلم : حدّثني أبي ، قال :
اجتمع أصحاب المأمون عنده يوما ، فأفاضوا في ذكر الشّعر والشّعراء ، فقال له بعضهم : أين أنت يا أمير المؤمنين عن مسلم بن الوليد ؟ قال : حيث يقول ماذا ؟ قال : حيث يقول وقد رثى رجلا :
أرادوا ليخفوا قبره عن عدوّه
فطيب تراب القبر دلّ على القبر
وحيث مدح رجلا بالشّجاعة فقال :
يجود بالنّفس إذ ضنّ [ 3 ] الجواد بها
والجود بالنّفس أقصى غاية الجود
وهجا رجلا بقبح الوجه والأخلاق فقال :
قبحت مناظره فحين خبرته
حسنت مناظره لقبح المخبر
وتغازل فقال :
هوّى يجدّ وحبيب يلعب
أنت لقى بينهما معذّب
فقال المأمون : هذا أشعر من خضتم اليوم في ذكره .
الرشيد ينبه يزيد بن مزيد إلى ما قاله فيه مسلم من مدح
أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ والحسن بن عليّ الخفّاف ، قالا : حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ ، قال :
حدّثني قعنب بن المحرز ، وابن النّطَّاح ، عن القحذميّ ، قال :
/ قال يزيد بن مزيد : أرسل إليّ الرّشيد يوما في وقت لا يرسل فيه إلى مثلي فأتيته لابسا سلاحي ، مستعدّا لأمر إن أراده ، فلما رآني ضحك إليّ ثم قال : يا يزيد خبّرني من الَّذي يقول فيك :
تراه في الأمن في درع مضاعفة
لا يأمن الدّهر أن يدعى على عجل [ 4 ]
صافي العيان طموح العين همّته
فكّ العناة وأسر الفاتك الخطل
هامش
[ 1 ] في ما ، ف : « بسحرة » .
[ 2 ] في مي ، مج :« ذكر الصبوح فراح غير مفند ». والتفنيد : اللوم . والبيت في الديوان - 230 من قصيدة طويلة .
[ 3 ] في مي ، والعقد ، وديوان المعاني : « إن ضن الجواد » . وفي الديوان - 164 :« إذ أنت الضنين بها ». وفي تاريخ بغداد :« إذ ضن البخيل بها ».
[ 4 ] في الشعر والشعراء 2 : 811 ، والأغاني 5 : 41 :« أن يأتي على عجل ». وفي شرح سقط الزن 68 :« أن يؤتى على عجل ».