الصّفاق ، وسلمت أعفاج بطنه [ 1 ] ، وظنّ التّيميّ أنّه / قد قتله ، وعلم زهير أنه قد سلم ، فتخوّف أن يتحرّك فيجهز عليه ، فسكت . وانصرف ابن زيّابة إلى قومه ، فقال لهم : قد - واللَّه - قتلت زهيرا وكفيتكموه ، فسرّهم ذلك . ولمّا علم زهير أنه لم يقدم عليه إلا عن ملأ من قومه بكر وتغلب - وإنما مع زهير نفر من قومه بمنزلة الشّرط - أمر زهير قومه فغيّبوه بين عمودين في ثياب ثم أتوا القوم فقالوا لهم : إنكم قد فعلتم بصاحبنا ما فعلتم ، فأذنوا لنا في دفنه ، ففعلوا .
شعر ابن زيابة في نبوّ سيفه عنه
فحملوا زهيرا ملفوفا في عمودين والثّياب عليه ، حتى إذا بعدوا عن القوم أخرجوه فلفّفوه في ثيابه ، ثم حفروا حفيرة وعمّقوا ، ودفنوا فيها العمودين ، ثم ساروا ومعهم زهير ، فلمّا بلغ زهير أرض قومه جمع لبكر وتغلب الجموع ، وبلغهم أنّ زهيرا حيّ ، فقال ابن زيّابة :
طعنة ما طعنت في غبش [ 2 ] اللَّي
ل زهيرا وقد توافى الخصوم
حين تجبي له المواسم بكر
أين بكر ، وأين منها الحلوم !
خانني السيف إذ طعنت زهيرا
وهو سيف مضلَّل مشؤوم [ 3 ]
غزا بكرا وتغلب وشعره في ذلك
قال : وجمع زهير بني كلب ومن تجمّع له من شذّاذ العرب والقبائل [ 4 ] ، ومن أطاعه من أهل اليمن ، فغزا بكرا وتغلب ابني وائل ، وهم على ماء يقال له الحبيّ [ 5 ] ، وقد كانوا نذروا [ 6 ] به ، فقاتلهم قتالا شديدا ، ثم انهزمت بكر وأسلمت بني تغلب ، فقاتلت شيئا من قتال ثم انهزمت ، وأسر كليب ومهلهل / ابنا ربيعة ، واستيقت الأموال ، وقتلت كلب في تغلب قتلى كثيرة ، وأسروا جماعة من فرسانهم ووجوههم ، وقال زهير بن جناب في ذلك :
تبّا لتغلب أن تساق نساؤهم
سوق الإماء إلى المواسم عطَّلا [ 7 ]
لحقت أوائل خيلنا سرعانهم [ 8 ]
حتى أسرن على الحبيّ مهلهلا
إنّا - مهلهل - ما تطيش رماحنا
أيام تنقف [ 9 ] في يديك الحنظلا
ولَّت حماتك هاربين من الوغى
وبقيت في حلق الحديد مكبّلا
فلئن قهرت لقد أسرتك عنوة
ولئن قتلت لقد تكون مؤمّلا [ 10 ]
هامش
[ 1 ] الصفاق : الجلد الباطن تحت الجلد الظاهر . والأعفاج : جمع عفج ، وهي معي الإنسان .
[ 2 ] في المختار : « في غلس الصبح » . وفي الشعر والشعراء - 339 ط . الحلبي : « غبس الليل » ، وكلها بمعنى الظلمة .
[ 3 ] في « الشعر والشعراء » - 339 :« خانني الرمح . . .
وهو رمح . . . «.
[ 4 ] ف ، المختار : « من شذاذ القبائل » .
[ 5 ] في ما : « الجبيّ » . وفي المختار : « الحنيّ » وكلاهما « تصحيف » ، وحبيّ : موضع بتهامة .
[ 6 ] نذروا به : علموا به فحذروه واستعدوا له .
[ 7 ] ف ، ما : « إذ تساق » . وعطل : بدون حلي .
[ 8 ] سرعان الخيل : أوائلها .
[ 9 ] ف ، المختار : « ينبت في يديك » . وتنقف الحنظلّ : تشقّه .
[ 10 ] س ، ف : « مرملا » ، والمرمل : المطلخ بالدم .