حلفت بالطلاق ثلاثا أنّي أسمعه منك ، قال : وما هو ؟ قال لحنك :
أبلغ سلامة أنّ البين قد أفدا [ 1 ]
وأنّ صحبك عنها رائحون غدا
هذا الفراق يقينا إن صبرت له
أو لا فإنّك منها ميّت كمدا
لا شكّ أنّ الذي بي سوف يهلكني
إن كان أهلك حبّ قبله أحدا
/ فغنّاه إيّاه مخارق وسقاه رطلا ، وقال له : احذر ويلك أن تعاود ، فانصرف . ولم تلبث أن عاودت الصّياح تصرخ : يا سيّدي ، قد عاود اليمين ثلاثة ، اللَّه اللَّه فيّ وفي أولادي ، قال : هاتيه ، فأحضرته ، فقال لها : انصرفي أنت ، فإن هذا كلما انصرف حلف وعاد ، فدعيه يقيم يومه كلَّه ، فتركته وانصرفت ، فقال له مخارق : ما قصّتك أيضا ؟ قال :
قد عرّفتك يا سيّدي أنّني رجل طروب ، وكنت سمعت صوتا من صنعتك فاستخفّني الطَّرب له فحلفت أنّي أسمعه منك ، قال : وما هو ؟ قال :
ألف الظَّبي بعادي
ونفى الهمّ رقادي
وعدا الهجر على الوص
ل بأسياف حداد
قل لمن زيّف ودّي :
لست أهلا لودادي
قال : فغنّاه إيّاه وسقاه رطلا ، ثم قال : يا غلام ، مقارع ، فجيء بها ، فأمر به فبطح ، وأمر بضربه فضرب خمسين مقرعة ، وهو يستغيث فلا يكلَّمه ، ثم قال له : احلف بالطَّلاق أنك لا تذكرني أبدا ، وإلَّا كان هذا دأبك إلى الليل ، فحلف بالطَّلاق ثلاثا على ما أمره به ، ثمّ أقيم فأخرج عن الدار ، فجعلنا نضحك بقيّة يومنا من حمقه .
أشرف من بيته على القبور وغنى باكيا
أخبرني عمّي ، قال : حدّثنا عبد اللَّه بن أبي سعد ، قال : حدّثنا أحمد بن محمد ، قال : حدّثني إسحاق بن عمر بن بزيع ، قال :
أتيت مخارقا ذات يوم ومعي زرزور الكبير لنقيم عنده ، فوجدته قد أخرج رأسه من جناح له ، وهو مشرف على المقابر يغنّي هذا البيت ويبكي :
أين الملوك التي كانت مسلَّطة
قال : فاستحسنّا ما سمعناه منه استحسان من لم يسمع قطَّ غناء غيره ، فقال / لنا : انصرفوا ، فليس فيّ فضل اليوم بعد ما رأيتم . قال محمد : وكان واللَّه مخارق ممّن لو تنفّس لأطرب من يسمعه استماع نفسه .
سمعت الظباء غناءه فوقفت بالقرب منه مصغية
وذكر محمد بن الحسن الكاتب أنّ محمد بن أحمد بن يحيى المكَّيّ حدّثه عن أبيه قال :
خرج مخارق مع بعض إخوانه إلى بعض المتنزّهات ، فنظر إلى قوس مذهبة مع أحد من خرج معه ، فسأله إيّاها ، فكأنّ المسؤول ضنّ بها . قال : وسنحت ظباء بالقرب منه ، فقال لصاحب القوس : أرأيت إن تغنّيت صوتا فعطفت عليك به خدود هذه الظباء ، أتدفع إليّ هذه القوس ؟ قال : نعم ، فاندفع يغني .
هامش
[ 1 ] أفد : دنا أو عجل .