فدخلوا وسلَّموا والغضب يتبيّن [ 1 ] في وجوههم ، فظنّ يزيد الظنون ، وقال لهم : ما لكم ؟ انفتق فتق أو حدث حدث فيكم ؟ قالوا : لا ، فسكن .
فقال طلحة الطَّلحات :
يا أمير المؤمنين ، أما كفى العرب ما لقيت من زياد ، حتى استعملت عليها ولده يستكثرون لك أحقادها ، ويبغّضونك إليها ، إنّ عبيد اللَّه وأخاه أتيا إلى ابن مفرّغ ما قد بلغك ، فأنصفنا منهما إنصافا تعلم العرب أنّ لنا منك خلفا من أبيك ، فو اللَّه ، لقد خبأ لك فعلهما خبئا عند أهل اليمن لا تحمده لك ، ولا تحمده لنفسك .
وتكلَّم خالد بن عبد اللَّه بن خالد بن أسيد فقال :
يا أمير المؤمنين ، إنّ زيادا ربّي في شرّ حجر ، ونشأ في أخبث نشء ، فأثبتّم نصابه في قريش ، وحملتموه [ 2 ] على رقاب الناس ، فوثب ابناه على أخينا وحليفنا / وحليفك ، ففعلا به الأفاعيل التي بلغتك ، وقد غضبت له قريش الحجاز ويمن الشّأم ممّن لا أحبّ واللَّه لك غضبه ، فأنصفنا من ابني زياد .
وتكلم أخوه أميّة بنحو ممّا تكلم أخوه وقال :
واللَّه يا أمير المؤمنين لا أحطَّ رحلي ، ولا أخلع ثياب سفري ، أو تنصفنا من ابني زياد ، أو تعلم العرب أنك قد قطعت أرحامنا ، ووصلت ابني زياد بقطعنا ، وحكمت بغير الحقّ لهما علينا .
وقال ابن معمر : يا أمير المؤمنين ، إنّ ابن مفرّغ طالما ناضل عن عرضك وعرض أبيك وأعراض قومك ، ورمى عن جمرة أهلك ، وقد أتى بنو زياد فيه ما لو كان معاوية حيّا لم يرض به ، وهذا رجل له شرف في قومه ، وقد نفروا له نفرة لها ما بعدها ، فأعتبهم وأنصف الرجل [ 3 ] ولا تؤثر مرضاة ابني زياد على مرضاة اللَّه عزّ وجلّ .
يزيد يرحب بالوفدين ويرسل من يطلق ابن مفرغ
فقال يزيد : مرحبا بكم وأهلا ، واللَّه لو أصابه خالد ابني بما ذكرتم لأنصفته منه ، ولو رحلتم في جميع ما تحيط به العراق لوهبته لكم ، وما عندي إلا إنصاف المظلوم ، ولكنّ صاحبكم / أسرف على القوم . وكتب يزيد ببناء داره ، وردّ ماله وتخلية سبيله ، وألَّا إمرة لأحد من بني زياد عليه ، وقال : لولا أنّ في القود بعد ما جرى منه فسادا في الملك لأقدته من عبّاد .
وسرّح يزيد رجلا من حمير يقال له خمخام ، وكتب معه إلى عبّاد بن زياد : نفسك نفسك وأن تسقط من ابن مفرّغ شعرة فأقيدك واللَّه به ، ولا سلطان لك ولا لأخيك ولا لأحد غيري عليه ، فجاء خمخام حتى انتزعه جهارا من الحبس [ 4 ] بمحضر الناس وأخرجه .
دخوله على يزيد وما دار بينهما
قالوا : فلما دخل على يزيد قال له : يا أمير المؤمنين ، اختر منّي خصلة من ثلاث خصال ، في كلَّها لي فرج ،
هامش
[ 1 ] ف : « بيّن » .
[ 2 ] ب ، مد ، ما : « فأثبتهم نصابه في قريش وحملت . . . الخ » .
[ 3 ] ف : « فأعنهم وأنصفهم من الرجل » .
[ 4 ] ب ، ما ، مد : « من المجلس » .