فماذا تؤخّر من حاجتي
وأنت لتعجيلها ضامن !
ألم تر أنّ احتباس النّوال
لمعروف صاحبه شائن !
فلم يتعجّل ما أراد ، فكتب إليه :
رويدك إنّ عزّ الفقر أدنى
إليّ من الثّراء مع الهوان
وماذا تبلغ الأيّام منّي
بريب صروفها ومعي لساني
فبلغ قوله جعفرا فقال له : ويلك يا أشجع ! هذا تهدّد فلا تعد لمثله ، ثم كلَّم أباه فقضى حاجته ، فقال :
كفاني صروف الدّهر يحيى بن خالد
فأصبحت لا أرتاع للحدثان
كفاني - كفاه اللَّه كلّ ملمّة -
طلاب فلان مرّة وفلان
فأصبحت في رغد من العيش واسع
أقلَّب فيه ناظري ولساني
جعفر بن يحيى يوليه عملا ثم يصرفه عنه
أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ ، قال : حدّثنا العنزيّ عن ابن النّطَّاح ، قال :
/ ولَّى جعفر بن يحيى أشجع عملا ، فرفع إليه أهله رفائع [ 1 ] كثيرة ، وتظلَّموا منه وشكوه ، فصرفه جعفر عنهم ، فلما رجع إليه من عمله مثل بين يديه ، ثم أنشأ يقول :
أمفسدة سعاد عليّ ديني
ولائمتي على طول الحنين
وما تدري سعاد إذا تخلَّت
من الأشجان كيف أخو الشّجون
تنام ولا أنام لطول حزني
وأين أخو السّرور من الحزين !
لقد راعتك عند قطين سعدى
رواحل غاديات بالقطين [ 2 ]
كأنّ دموع عيني يوم بانوا
عيانا سحّ مطَّرد معين [ 3 ]
لقد هزّت سنان القول منّي
رجال رفيعة لم يعرفوني
هم جازوا حجابك يا بن يحيى
فقالوا بالذي يهوون دوني
أطافوا بي لديك وغبت عنهم
ولو أدنيتني لتجنّبوني
وقد شهدت عيونهم فمالت
عليّ وغيّبت عنهم عيوني
ولمّا أن كتبت بما أرادوا
تدرّع [ 4 ] كلّ ذي غمز دفين
/ كففت عن المقاتل باديات
وقد هيّأت صخرة منجنون [ 5 ]
ولو أرسلتها دمغت رجالا
وصالت في الأخشّة والشّؤون [ 6 ]
هامش
[ 1 ] الرفائع : جمع رفيعة ؛ وهي القصة المرفوعة إلى الحاكم .
[ 2 ] القطين : الخدم والحاشية .
[ 3 ] في ف : « غياث سح مطرد معين » .
[ 4 ] في ب : « تردع » .
[ 5 ] المنجنون : الدولاب يستقى عليها .
[ 6 ] الأخشة جمع خشاش ، وهو العود يجعل في عظم أنف البعير ، والشؤون جمع شأن ، وهو عرق الدمع .