دخل سعيد بن حميد يوما على أبي العبّاس بن ثوابة ، وكان أبو العبّاس يعاتبه على الشّغف بالغلمان المرد ، فرأى على رأسه غلاما أمرد حسن الوجه ، عليه منطقة وثياب حسان ، فقال له : يا أبا العبّاس :
أزعمت أنّك لا تلوط فقل لنا
هذا المقرطق [ 1 ] قائما ما يصنع !
شهدت ملاحته عليك بريبة
وعلى المريب شواهد لا تدفع
فضحك أبو العبّاس وقال : خذه ، لا بورك لك فيه حتى نستريح من عتبك .
حيلة له مع غلام من أولاد الموالي وشعره في ذلك
أخبرني عمّي ، رحمه اللَّه ، قال : قال لي محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات الكاتب : كان سعيد بن حميد يهوى غلاما له من أولاد الموالي ، فغاب عنه مدّة ، ثم جاءه مسلَّما ، فقال له : غبت عنّي هذه المدة ثم تجيئني فلا تقيم عندي ! فقال له : قد أمسينا ، فقال : تبيت ، قال : لا واللَّه لا أقدر ، ولم يزل به حتى اتّفقا على أنّه إذا سمع أذان العتمة [ 2 ] انصرف ، فقال له : قد رضيت . ووضع النّبيذ ، فجعل سعيد يحثّ السّقي [ 3 ] بالأرطال ، فلما قرب وقت العتمة ، أخذ رقعة فكتب فيها إلى إمام المسجد وهو مؤذّنه قوله :
قل لداعي الفراق [ 4 ] أخّر قليلا
قد قضينا حقّ الصّلاة طويلا
أخّر الوقت في الأذان [ 5 ] وقدّم
بعدها الوقت بكرة وأصيلا
/ ليس في ساعة تؤخّرها وز
ر فنحيا بها وتأتي جميلا [ 6 ]
فتراعى حقّ الفتوّة فينا
وتعافى من أن تكون ثقيلا [ 7 ]
فلما قرأ المؤذّن الرّقعة ضحك وكتب إليه يحلف أنه لا يؤذّن ليلته تلك العتمة ، وجعل الفتى ينتظر الأذان حتى أمسى وسمع صوت الحارث ، فعلم أنّها حيلة وقعت عليه وبات في موضعه ، وقال سعيد في ذلك :
عرّضت بالحبّ له وعرّضا
حتى طوى قلبي على جمر الغضى
وأظهرت نفسي عن الدّهر الرّضا
ثم جفاني وتولَّى معرضا
لم ينقض الحبّ بلى [ 8 ] صبري انقضى
فداك من ذاق [ 9 ] الكرى أو غمّضا
حتى طرقت فنسيت ما مضى
سألته حويجة [ 10 ] فأعرضا
وقال : لا ، قول مجيب برضا
فكان ما كان وكابرنا القضا
هامش
[ 1 ] قرطقه : ألبسه القرطق ؛ وهو قباء ذو طاق واحد فهو مقرطق .
[ 2 ] العتمة : وقت صلاة العشاء الآخرة .
[ 3 ] في « المختار » : السعي بالأرطال .
[ 4 ] في هب ، « المختار » : الصلاة .
[ 5 ] في « التجريد » : في الصلاة .
[ 6 ] البيت من « المختار » و « التجريد » ، ولم يرد في ف ، ب ، هب .
[ 7 ] في « التجريد » ، ف : « حق المودة » بدل : « حق الفتوة » .
[ 8 ] في ب : على .
[ 9 ] في هب :« فذاك من ذاق . . . »وفي « المختار » :« فذاق من ذاق ».
[ 10 ] في « المختار » : حوائجا .