ختن زيد بن ثابت الأنصاري بنته ، فأولم ؛ فاجتمع إليه المهاجرون والأنصار وعامّة أهل المدينة ، وحضر حسّان بن ثابت وقد كفّ بصره يومئذ ، وثقل سمعه ، وكان يقول إذا دعي : أعرس أم عذار [ 1 ] ؟ فحضر ووضع بين يديه خوان ليس عليه إلَّا عبد الرحمن ابنه ، فكان / يسأله : أطعام يد أم يدين ؟ فلم يزل يأكل حتى جاؤوا بالشّواء ، فقال : طعام يدين ؛ فأمسك يده حتى إذا فرغ من الطعام ثنيت وسادة ، وأقبلت الميلاء ، وهي يومئذ شابّة ، فوضع في حجرها مزهر ، فضربت به ، ثم تغنّت ، فكان أوّل ما ابتدأت به شعر حسّان ، قال :
/
فلا زال قبر بين بصرى وجلَّق
عليه من الوسميّ جود ووابل
فطرب حسّان ، وجعلت عيناه تنضحان ، وهو مصغ لها .
أخبرني ابن عبد العزيز الجوهريّ ، عن ابن شبّة ، عن الأصمعيّ ، عن أبي الزناد ، قال :
قلت لخارجة بن زيد : أكان يكون هذا الغناء عندكم ؟ قال : كان يكون في العرسات [ 2 ] ولم يكن يشهد بما يشهد به اليوم من السّعة .
وكان في إخواننا بني نبيط مأدبة ، فدعينا ، وثمّ قينة أو قينتان تنشدان شعر حسّان بن ثابت ، قال [ 3 ] :
انظر خليلي بباب جلَّق هل
تبصر دون البلقاء من أحد ؟ [ 4 ] ؟
قال : وحسّان يبكي ، وابنه يومىء إليهما أن زيدا ؛ فإذا زادتا بكى حسّان ، فأعجبني ما يعجبه من أن تبكيا أباه ، وقد كفّ بصر حسّان بن ثابت يومئذ .
أخبرنا وكيع ، عن حماد بن إسحاق ، عن أبيه ، عن الواقديّ ، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه ، قال :
سمعت خارجة بن زيد يقول : دعينا إلى مأدبة في آل نبيط ، قال خارجة : فحضرتها ، وحسّان بن ثابت قد حضرها ، فجلسنا / جميعا على مائدة واحدة ، وهو يومئذ قد ذهب بصره ، ومعه ابنه عبد الرحمن ، فكان إذا أتى طعام سأل ابنه : أطعام يد أم يدين ؟ يعني باليد الثّريد وباليدين الشّواء ؛ لأنه ينهش نهشا ، فإذا قال : طعام يدين أمسك يده . فلما فرغوا من الطعام أتوا بجاريتين : إحداهما رائقة والأخرى عزّة ، فجلستا وأخذتا مزهريهما ، وضربتا ضربا عجيبا ، وغنّتا بقول حسّان :
انظر خليلي بباب جلَّق هل
تبصر دون البلقاء من أحد
فأسمع حسّانا يقول :
قد أراني بها [ 5 ] سميعا بصيرا
وعيناه تدمعان ، فإذا سكتتا سكت عنه البكاء ، وإذا غنّتا بكى ، فكنت أرى ابنه عبد الرحمن إذا سكتتا يشير إليهما أن تغنّيا ، فيبكي أبوه ، فأقول : ما حاجته إلى إبكاء أبيه ! .
هامش
[ 1 ] العرس : طعام الوليمة ، والعذار : طعام البناء والختان .
[ 2 ] س ، ب : « العرسان » . والعرسات : جمع عرس : طعام الوليمة ، ويجمع على أعراس أيضا .
[ 3 ] ديوانه 110 .
[ 4 ] جلق : اسم لكورة الغوطة ، أو هي دمشق نفسها أو قرية من قراها . والبلقاء من أعمال دمشق .
[ 5 ] المختار : « هناك » .