أهون بنضر العيش في دار ندم
أفيض دمعا كلما فاض انسجم
أنا ابن عبد اللَّه [ 1 ] محمود الشيم
مؤتمن الغيب وفيّ بالذمم
أكرم [ 2 ] من يمشي بساق وقدم
كالليث إن هم بتقصام قصم
فحملت عليه وأنا أقول :
أنا ابن ذي التقليد في الشهر الأصمّ
أنا ابن ذي الإكليل قتال البهم [ 3 ]
من يلقني يود كما أودت إرم
أتركه لحما على ظهر وضم [ 4 ]
/ وحمل علي وهو يقول :
هذا حمى قد غاب عنه ذائده
الموت ورد والأنام وارده
وحمل علي فضربني ، فرغت وأخطأني ، فوقع سيفه في قربوس [ 5 ] السرج ، فقطعه وما تحته ، حتى هجم على مسح الفرس . ثم ثنّى بضربة أخرى ، فرغت وأخطأني ، فوقع سيفه على مؤخر السرج فقطعه حتى وصل إلى فخذ الفرس ، وصرت راجلا . / فقلت : ويحك ! من أنت ؟ فو اللَّه ما ظننت أحدا من العرب يقدم عليّ إلا ثلاثة : الحارث بن ظالم ، للعجب والخيلاء ؛ وعامر بن الطفيل للسن والتجربة ؛ وربيعة بن مكدم للحداثة والغرّة ، فمن أنت ويلك ؟ قال : بل الويل لك ، فمن أنت ؟ قلت : عمرو بن معد يكرب ، قال : وأنا ربيعة بن مكدم . قلت : يا هذا ، إني قد صرت راجلا ، فاختر مني إحدى ثلاث ، إن شئت اجتلدنا بسيفينا حتى يموت الأعجز ، وإن شئت اصطرعنا ، فأينا صرع صاحبه حكم فيه ؛ وإن شئت سالمتك وسالمتني . قال : الصلح إذن إن كان لقومك فيك حاجة ، وما بي أيضا على قومي هوان . قلت : فذاك لك . وأخذت بيده ، حتى أتيت أصحابي ، وقد حازوا نعمه ، فقلت : هل تعلمون أني كععت عن فارس قطَّ من الأبطال إذا لقيته ؟ قالوا : نعيذك من ذاك . قال : قلت : فانظروا هذا النعم الذي حزتموه ، فخذوه مني غدا في بني زبيد ، فإنه نعم هذا الفتى ، واللَّه لا يوصل إلى شيء منه وأنا حيّ . فقالوا لحاك اللَّه فارس قوم ! أشقيتنا [ 6 ] حتى إذا هجمنا على الغنيمة الباردة فثأتنا [ 7 ] عنها . قال : قلت إنه لا بد لكم من ذلك ، وأن تهبوها لي ولربيعة بن مكدم . فقالوا : وإنه لهو ؟ قلت : نعم . فردوها وسالمته ، فأمن حربي وأمنت حربه حتى هلك .
وفي بعض هذه الأراجيز التي جرت بين عمرو بن معد يكرب وربيعة بن مكدم غناء ، نسبته ، وقد جمع شعراهما معا في لحن واحد ، وهو :
هامش
[ 1 ] في « المروج » : أنا عبيد اللَّه .
[ 2 ] في « المروج » : وخير . وبعده : « عدوه يفديه من كل السقم » .
[ 3 ] التقليد : أن يجعل في عنق البدنة ونحوها شيئا يعلم به أنه هدى . والشهر الأصم : رجب ، لأنه كان لا يسمع فيه صوت مستغيث ولا حركة قتال ولا قعقعة سلاح ، لأنه من الأشهر الحرم . والإكليل : كذا في « المروج » ، وهو التاج ، وكان عمرو بن معد يكرب الزبيدي من اليمن ، وملوكهم يلبسون التيجان . وفي مب : أنا ابن عبد اللَّه . وفي بقية الأصول : أنا ابن ذي الأكال .
[ 4 ] الوضم : الخوان من الخشب أو نحوه يقطع عليه القصاب اللحم . ويقال : فلان لحم على وضم ، مثل يضرب للذليل .
[ 5 ] القربوس كحلزون : حنو السرج أي الجزء المرتفع من مقدمه ومن مؤخره . والمسح : ثوب غليظ من الشعر يجعل تحت السرج .
[ 6 ] كذا في مب . وفي ف : أسقيتنا . وفي بقية الأصول : أنسأتنا .
[ 7 ] فثأه : ثبط عزيمته وسكنه .