قد خرجت من خيمتها ، فجلست بين صواحب لها ، ثم [ 1 ] دعت وليدة من ولائدها ، فقالت : ادعي فلانا . فدعت لها برجل من الحي ، فقالت له : إن نفسي تحدّثني أن خيلا تغير على الحي ، فكيف أنت إن زوجتك نفسي ؟ فقال : أفعل وأصنع ، وجعل يصف نفسه فيفرط . فقالت له : انصرف حتى أرى رأيي . وأقبلت على صواحباتها ، فقالت : ما عنده خير ، ادعى لي فلانا . فدعت بآخر . فخاطبته بمثل ما خاطبت به صاحبه ، فأجابها بنحو جوابه ، فقالت له : انصرف حتى أرى رأيي . وقالت لصواحباتها : ولا عند هذا خير أيضا . ثم قالت للوليدة ادعي لي ربيعة بن مكدّم . فدعته ، فقالت له مثل قولها للرجلين ، فقال لها : إن أعجز العجز وصف المرء نفسه ، ولكني إذا لقيت أعذرت ، وحسب المرء غناء أن يعذر . فقالت له : قد زوّجتك نفسي ، فاحضر غدا مجلس الحي ، ليعلموا ذلك . فانصرف من عندها ، وانتظرت حتى ذهب الليل ، ولاح الفجر ، فخرجت / من مكمني ، وركبت فرسي ، وقلت لخيلي : أغيري ، فأغارت ، وتركتها وقصدت نحو النسوة ومجلسهن ، فكشفت عن خيمة المرأة ، فإذا أنا بامرأة تامة الحسن . فلما ملأت بصرها مني ، أهوت إلي درعها فشقته وقالت : واثكلاه ؟ واللَّه ما أبكي على مال ولا تلاد ، ولكن على أخت من وراء هذا القوز [ 2 ] ، تبقى بعدي في مثل هذا الغائط ، فتهلك ضيعة ، وأو مأت بيدها إلى قوز رمل إلى جانبهم . فقلت :
هذه غنيمة من وراء غنيمة . فدفعت فرسي حتى أو فيت على الأيفاع ، فإذا أنا برجل جلد نجد ، أهلب [ 3 ] أغلب ، يخصف نعله ، وإلى جنبه فرسه وسلاحه . فلما رآني رمى بنعله ، ثم استوى على فرسه ، وأخذ رمحه ، ومضى ولم يحفل بي . فطفقت أشجره بالرمح خفقا [ 4 ] ، وأقول له : يا هذا استأسر [ 5 ] . فمضى ما يحفل بي ، حتى أشرف على الوادي . فلما رأى الخيل تحوي إبله استعبر باكيا ، وأنشأ يقول :
قد علمت إذ [ 6 ] منحتني فاها
أني سأحوي اليوم من حواها
بل ليت [ 7 ] شعري اليوم من دهاها
فأجبته :
عمرو على طول الوجى [ 8 ] دهاها
بالخيل يحميها على وجاها [ 9 ]
حتى إذا حل بها احتواها [ 10 ]
فحمل عليّ وهو يقول :
هامش
[ 1 ] سقط من أ ، م بقية أخبار ربيعة بن مكدم ، وأول أخبار المغيرة بن شعبة .
[ 2 ] القوز بالفتح : الرمل المستدير المرتفع .
[ 3 ] الأهلب : الكثير شعر الرأس والجسد . وعبارة المسعودي في « مروج الذهب » ( ج 1 ص 218 ) : فإذا أنا بغلام أصهب الشعر أهذب .
ولعله محرف عن أهلب أو أهدب بالدال ، وهو الكثير شعر العينين .
[ 4 ] شجره بالرمح : طعنه حتى اشتبك فيه . والخفق : الضرب بشيء عريض ، ولعله يريد أنه يضربه بزج الرمح لا بسنانه ، أو لعله الضرب الخفيف ، من الخفقة ، وهي النعسة الخفيفة .
[ 5 ] استأسر : كن أسيرالي .
[ 6 ] في « مروج الذهب » : أقول لما . وبعده : « وألبستني بكرة رداها » .
[ 7 ] كذا في ف ، مب . وفي الأصول : يا ليت . وفي « مروج الذهب » : فليت .
[ 8 ] الوجى : الحفا ، وهو أن يرق القدم أو الحافر وينسحج من طول السفر . وفي « المروج » : الردى .
[ 9 ] في « المروج » : « بالخيل تتبعها على هواها » .
[ 10 ] في « المروج » : حواها .