له : فو اللَّه إني لآكل الجذعة ، وأشرب التّبن من اللبن رثيئة و [ 1 ] صرفا ، فلم تقول هذا يا أمير المؤمنين ؟ فقال له عمر :
أي أحياء قومك خير ؟ قال : مذجح ، وكل قد كان فيه خير ، شداد فوارسها ، فوارس أبطالها ، أهل الربا والرباح [ 2 ] .
قال عمر : وأين سعد العشيرة ؟ قال : هم أشدنا شريسا ، / وأكثرنا خميسا [ 3 ] ، وأكرمنا رئيسا ، وهم الأوفياء البررة ، المساعير [ 4 ] الفجرة . قال عمر : يا أبا ثور ، ألك علم بالسلاح ؟ قال : على الخبير سقطت ، سل عما بدا لك . قال :
أخبرني عن النّبل . قال : منايا تخطىء وتصيب . قال : فأخبرني عن الرمح قال : أخوك وربما خانك . قال : فأخبرني عن التّرس . قال : ذاك مجنّ وعليه تدور الدوائر . قال : أخبرني عن الدرع . قال : مشغلة للفارس ، متعبة للراجل .
قال : أخبرني عن السيف . قال : عنه قارعتك [ 5 ] لأمك الهبل ، قال : لا ، بل لأمك . قال عمرو : بل لأمك ، فرفع عمر الدّرّة ، فضرب بها عمرا ، وكان عمرو محتبيا ، فانحلت حبوته ، فاستوى قائما ، وأنشأ يقول :
أتضربني كأنك ذو رعين
بخير معيشة أو ذو نواس [ 6 ]
فكم ملك قديم قد رأينا
وعز ظاهر الجبروت قاسي [ 7 ]
فأضحى أهله بادوا وأضحى
ينقّل من أناس في أناس [ 8 ]
/ قال : صدقت يا أبا ثور ، وقد هدم ذلك كله الإسلام ، أقسمت عليك لما جلست . فجلس . فقال له عمر : هل كععت [ 9 ] من فارس قط ممن لقيت ؟ قال :
اعلم يا أمير المؤمنين ، أني لم أستحل الكذب في الجاهلية ، فكيف أستحله في الإسلام ؟ ولقد قلت لجبهة من خيلي ، خيل بني زبيد ، أغيروا بنا على بني البكَّاء . فقالوا : بعيد علينا المغار . فقلت : فعلى بني مالك بن كنانة ، قال : فأتينا على / قوم سراة . فقال عمر : ما علمك بأنهم سراة . قال : رأيت مزاود خيلهم كثيرة ، وقدورا مثفّاة [ 10 ] ، وقباب أدم ، فعرفت أن القوم سراة . فتركت خيلي حجرة [ 11 ] ، وجلست في موضع أتسمع كلامهم ، فإذا بجارية منهم
هامش
[ 1 ] الجذعة من الغنم : ما تكون سنها بين ستة أشهر وسنة . والتبن : القدح الكبير . والرثيئة : اللبن الحليب يصب عليه اللبن الحامض ، فيروب من ساعته . والصريف : اللبن الذي ينصرف عن الضرع حارا وقت حلبه .
[ 2 ] الربا والرباح : النماء والكثرة . ولعله يريد أنهم ذوو عدد وفير ، أو ذوو مال كثير ، أو أنهم يجزلون العطاء لمن يصنع إليهم خيرا .
[ 3 ] الشريس : الشراسة ، وهي عسر الخلق والشدة . والخميس : الجيش . وفي « اللسان » : هم أعظمنا خميسا ، وأشدنا شريسا .
[ 4 ] المساعير : جمع مسعر ( بكسر الميم وفتح العين ) ، ومسعر الحرب : موقدها ومهيجها ، وهو من صيغ المبالغة .
[ 5 ] المقارعة : أصلها المضاربة بالسيوف في الحرب ، ولعل المقصود بها هنا : المصاولة باللسان . وظاهر العبارة أن عمرا يرى أن السيف هو أعظم السلاح ، بدليل قوله فيما نقله الإبشيهي في « المستطرف » في وصف السيف ( 1 : 22 ) « هو العدة عند الشدة » . وانظر « سرح العيون ، في شرح رسالة ابن زيدون » ( ص 312 ) .
[ 6 ] في « مروج الذهب » للمسعودي ( 1 : 217 دار الرجاء ) : أتوعدني . . . بأنعم عيشة .
[ 7 ] في « مروج الذهب » :فكم قد كان قبلك من مليك
عظيم ظاهر . . . .[ 8 ] الشطر الأول في « مروج الذهب » : « فأصبح أهله بادوا وأمسى » . وزاد بعده البيت :فلا يغررك ملكك كل ملك
يصير مذلة بعد الشماس.
[ 9 ] كععت : ضعفت وجبنت .
[ 10 ] مثفاة : منصوبة على الأثافي ، استعدادا للطبخ .
[ 11 ] حجرة : جانبا وناحية .