فإذا دخلت عليه فلا تظهرنّ طربا حتى أغنيه الصوت الذي غنّيته . فقال : سوأة على كبر سنّي ؟ فدعا به يزيد وهو على طنفسة خزّ ، ووضع لمعاوية مثلها ، فجاؤوا بجامين فيهما مسك فوضعت إحداهما بين يدي يزيد والأخرى بين يدي معاوية ، فقال : فلم أدر كيف أصنع . فقلت : انظر كيف يصنع فاصنع مثله . فكان يقلَّبه فيفوح ريحه وأفعل / مثل ذلك ، فدعا بحبابة فغنّت ، فلما غنّت ذلك الصوت أخذ معاوية الوسادة فوضعها على رأسه وقام يدور وينادي :
« الدّخن بالنوى » يعني اللَّوبيا . قال : فأمر له بصلات عدّة دفعات إلى أن خرج ، فكان مبلغها ثمانية آلاف دينار .
اختبار يزيد لطرب مولى حبابة :
أخبرني إسماعيل بن يونس قال : أخبرني الزبير بن أبي بكر ، عن ظبية :
أنّ حبابة غنّت يوما بين يدي يزيد فطرب ثم قال لها : هل رأيت قطَّ أطرب مني ؟ قالت : نعم ، مولاي الذي باعني . فغاظه ذلك فكتب في حمله مقيّدا ، فلما عرف خبره أمر بإدخاله إليه ، فأدخل يرسف في قيده ، وأمرها فغنّت بغتة :
تشطَّ غدا دار جيراننا
وللدّار بعد غد أبعد
فوثب حتّى ألقى نفسه على الشمعة فأحرق لحيته ، وجعل يصيح : الحريق يا أولاد الزنا ! فضحك يزيد وقال :
لعمري إنّ هذا لأطرب الناس ! فأمر بحلّ قيوده ، ووصله بألف دينار ، ووصلته حبابة ، وردّه إلى المدينة .
يزيد وأم عوف المغنية :
أخبرني إسماعيل بن يونس قال : حدّثنا عمر بن شبّة قال : قال إسحاق :
كان يزيد بن عبد الملك قبل أن تفضي إليه الخلافة ، تختلف إليه مغنيّة طاعنة في السّن تدعى أمّ عوف ، وكانت محسنة ، فكان يختار عليها :
متى أجر خائفا تسرح مطيته
وإن أخف آمنا تنبو به الدار [ 1 ]
سيروا إليّ وأرخوا من أعنّتكم
إنّي لكلّ امرئ من وتره جار
/ فذكرها يزيد يوما لحبابة ، وقد كانت أخذت عنها فلم تقدر أن تطعن عليها إلا بالسنّ ، فغنت :
أبى القلب إلَّا أمّ عوف وحبّها
عجوزا ومن يحبب عجوزا يفنّد [ 2 ]
/ فضحك وقال : لمن هذا الغناء ؟ فقالت : لمالك . فكان إذا جلس معها للشّرب يقول : غنّيني صوت مالك في أمّ عوف .
استبقاء يزيد لجثة حبابة بعد موتها ، ثم موته ودفنه إلى جنبها :
أخبرني أحمد بن عبيد اللَّه بن عمّار قال : حدّثني عمر بن شبّة قال : حدّثني عبد اللَّه بن أحمد بن الحارث
هامش
[ 1 ] ما عدا ط ، ها ، مط : « تغلق به الدار » .
[ 2 ] البيت لأبي الأسود الدؤلي في « الحماسة » ( 2 : 138 ) . وقد غيرت رواية البيت لتستقيم لها الفكاهة ويتم العبث بأم عوف . والرواية :
« أم عمرو » . وبعده :كثوب اليماني قد تقادم عهده
ورقعته ما شئت في العين واليد