قدم خالد بن الوليد البطاح فلم يجد عليه أحدا ، ووجد مالك بن نويرة قد فرّقهم [ 1 ] في أموالهم ونهاهم عن الاجتماع ، فبعث السرايا وأمرهم بداعية الإسلام [ 2 ] ، فمن أجاب / فسالموه ومن لم يجب وامتنع فاقتلوه . وكان فيما أوصاهم أبو بكر : إذا نزلتم [ منزلا ] [ 3 ] فأذّنوا وأقيموا ، فإن أذّن القوم وأقاموا فكفّوا عنهم ، وإن لم يفعلوا فلا شيء إلَّا الغارة . ثم اقتلوهم كلّ قتلة : الحرق فما سواه . فإن أجابوكم إلى داعية الإسلام فسائلوهم [ 4 ] ، فإن هم أقرّوا بالزكاة قبلتم منهم ، وإلَّا فلا شيء إلا الغارة ولا كلمة . فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر معه من بني ثعلبة بن يربوع ، ومن بني عاصم [ 5 ] ، وعبيد ، [ وعرين ] [ 3 ] ، وجعفر ، واختلف السرية فيهم ، وفيهم أبو قتادة . وكان ممن شهد أنّهم قد أذّنوا وأقاموا وصلَّوا . فلما اختلفوا فيهم أمر بحسبهم ، في ليلة باردة لا يقوم لها شيء ، وجعلت تزداد بردا ، فأمر خالد مناديا فنادى : « دافئوا أسراكم » . وكان في لغة كنانة إذا قالوا : « دافأنا الرجل وأدفئوه ، فذلك معنى اقتلوه من الدفء . فظنّ القوم أنّه يريد القتل فقتلوهم [ 6 ] . فقتل ضرار بن الأزور مالكا ، فسمع خالد الواعية [ 7 ] ، فخرج وقد فرغوا منهم فقال : إذا أراد اللَّه أمرا أصابه . وقد اختلف القوم فيهم فقال أبو قتادة : هذا عملك .
غضب أبي بكر لمقتل مالك
فزبره خالد [ فغضب ] [ 8 ] ومضى حتّى أتى أبا بكر ، فغضب عليه أبو بكر حتّى كلَّمه عمر بن الخطاب فيه ، فلم يرض إلا بأن يرجع إليه ، فرجع إليه فلم يزل معه حتّى قدم المدينة ، وقد كان تزوّج خالد أم تميم بنت المنهال [ 9 ] وتركها لينقضي طهرها ، وكانت العرب تكره النساء في الحرب وتعايره ، / فقال عمر لأبي بكر : إنّ في سيف خالد رهقا ، وحقّ عليه أن تقيده [ 10 ] . وأكثر عليه في ذلك . وكان أبو بكر لا يقيد من عمّاله ولا من وزعته [ 11 ] ، فقال : هبه يا عمر تأوّل فأخطأ ، فارفع لسانك عن خالد . وودى مالكا ، وكتب إلى خالد أن يقدم عليه ، ففعل وأخبره خبره فعذره . وقبل منه ، وعنّفه بالتزويج الذي كانت العرب تعيب عليه من ذلك .
فذكر سيف عن هشام بن عروة عن أبيه قال : شهد قوم من السرية أنّهم أذّنوا وأقاموا وصلَّوا ، وشهد آخرون أنه لم يكن من ذلك شيء فقتلوا . وقدم أخوه متمم ينشد أبا / بكر دمه ويطلب إليه في سبيهم ، فكتب له بردّ السّبي ، وألحّ عليه عمر في خالد أن يعزله وقال : إن في سيفه لرهقا ! فقال له : لا يا عمر ، لم أكن لأشيم سيفا سلَّه اللَّه على الكافرين .
هامش
[ 1 ] كذا في ها . وفي سائر الأصول : « ملك قد فرقهم » . محرّف . وفي الطبري : « مالكا قد فرقهم » .
[ 2 ] في معظم الأصول : « برعاية الإسلام » ووجهه من الطبري وها .
[ 3 ] هذه التكملة من الطبري .
[ 4 ] س : « فسالموهم » وفي سائر النسخ : « فسلوهم » . وأثبت الصواب من ها والطبري .
[ 5 ] الطبري : « من بني عاصم » بدون واو قبلها .
[ 6 ] هذا نهاية سقط مب الذي بدأ في ص 280 .
[ 7 ] الواعية : الجلبة ، والصراخ على الميت ونعيه . ح : « الراعية » . وفي سائر النسخ ما عدا ها ومب : « الداعية » صوابها من النسختين والطبري .
[ 8 ] هذه التكملة من الطبري .
[ 9 ] في الأصول : « المهلب » ، صوابه في الطبري ، و « الإصابة » . 769 في ترجمة مالك بن نويرة . والمنهال هذا هو المنهال بن عصمة الرياحي ، وهو الذي كفن مالكا في ثوبيه .
[ 10 ] الطبري : « فإن لم يكن هذا حقا حق عليه أن تقيده » .
[ 11 ] الوزعة : أصحاب السلطان . في جمهور الأصول : « من درعيه » والصواب من ها ومب والطبري .