حارثة منع عنه الكسوة لما بلغه هجاؤه
أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال : حدّثنا عمر بن شبّة قال : حدّثنا الأصمعيّ قال : هجا الأبيرد الرياحيّ حارثة بن بدر فقال :
أحارث راجع شربك الخمر إنني
أرى ابن زياد عنك أصبح لاهيا
أرى فيك رأيا من أبيه وعمه
وكان زياد ماقتا لك فاليا
وذكر البيتين الآخرين اللذين ذكرهما محمّد بن سلام ، وقال في خبره هذا : فكان حارثة يكسوه في كلّ سنة بردين ، فحبسهما عنه في تلك السنة ، فقال حارثة بن بدر يجيبه :
فإن كنت عن برديّ مستغنيا لقد
أراك بأسمال الملابس كاسيا [ 1 ]
وعشت زمانا أن أعيّنك كسوتي
قنعت بأخلاق وأمسيت عاريا [ 2 ]
وبردين من حوك العراق كسوتها
على حاجة منها لأمّك باديا [ 3 ]
/ فقال الأبيرد يهجو حارثة بن بدر :
زعمت غدانة أن فيها سيدا
ضخما يواريه جناح الجندب [ 4 ]
يرويه ما يروي الذّباب وينتشي
لؤما ويشبعه ذراع الأرنب
وقال أيضا لحارثة بن بدر :
ألا ليت حظَّي من غدانة أنها
تكون كفافا لا عليّ ولا ليا [ 5 ]
أبى اللَّه أن يهدي غدانة للهدى
وأن لا تكون الدهر إلا مواليا [ 6 ]
فلو أنني ألقى ابن بدر بموطن
نعدّ به من أوّلينا المساعيا [ 7 ]
تقاصر حتى يستقيد وبذّه
قروم تسامى من رياح تساميا [ 8 ]
أيا فارط الحي الَّذي قد حشالكم
من المجد أنهاء ملاء الخوابيا [ 9 ]
وعمّي الَّذي فكّ السّميدع عنوة
فلست بنعمي يا ابن عقرب جازيا
كلانا غنيّ عن أخيه حياته
ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا [ 10 ]
ألم ترنا إذ سقت قومك سائلا
ذوي عدد للسائلين معاطيا
هامش
[ 1 ] الأسمال : الثوب الخلق أو الأثواب الخلقة .
[ 2 ] عينه : أعطاه . الأخلاق : جمع خلق بالتحريك : الثوب المهلهل .
[ 3 ] حوك العراق : نسجه . وكان مشهورا بالدقة في ذلك الزمان . وفي جميع الأصول « حول » باللام .
[ 4 ] غدانة : هي من يربوع تسمى به القبيلة . والجندب : الجراد .
[ 5 ] الكفاف : ما يكف عن الناس ويغني .
[ 6 ] الموالي : العبيد .
[ 7 ] المساعي : مآثر أهل الشرف والفضل . في الأصول : « يعينه من أولينا » ، وهو تحريف .
[ 8 ] استقاد : ذل وخضع . القروم : السادة . ورياح : قبيلة .
[ 9 ] الفارط : السابق لإصلاح الحوض والدلاء . والأنهاء : جمع نهى ، وهو الغدير . والخوابي : جمع خابية ، وهي حوض يجتمع فيه الماء .
[ 10 ] هذا البيت يروى لعبد اللَّه بن معاوية بن عبد اللَّه بن جعفر ، ونقل السيوطي عن « أمالي القالي » أنه لسيار بن هبيرة .